لم تكن زيارة جون كيري إلى أنقرة موفقة. مؤشرات كثيرة ظهرت إلى العلن تشي بذلك: خروج الوزير الأميركي في مؤتمر صحافي منفرداً، من دون نظير تركي. كلام كبار القادة الأتراك عن أن الحملة العسكرية على «داعش» لا تكفي وحدها لإعادة الاستقرار الى المنطقة. التلميح إلى أن تركيا والولايات المتحدة هما «الدولتان الديموقراطيتان الوحيدتان» في المنطقة، وبالتالي تفهمان بعضهما بعضا، في إشارة مبطنة الى الاستبداد السعودي. وأخيراً وليس آخرا حديث مسؤول تركي عن أن بلاده مستعدة دائماً لتقديم «مساعدات انسانية».


الحرد التركي الواضح من الإجراءات الأميركية في المنطقة، وآخرها ما حصل في مؤتمر جدة، لا شك يمكن تفهمه. في النهاية، المتضرر الأساسي من «داعش» في صفوف الدول السنية بات واضحا أنه السعودية، كما أن واشنطن لم تشمر عن ذراعيها وتدخل المغامرة العسكرية ضد التنظيم التكفيري إلا عندما لامست قواته المحمية الكردية في شمال العراق، وعندما خرجت الأصوات من المملكة الوهابية تنذر بالخطر الداعشي عليها.
ما حصل في مؤتمر جدة كان لافتاً، والمقصود هنا اضطرار الولايات المتحدة إلى إقامة الربط بين الحملة على «داعش» والتعهد باستمرار الحملة على نظام الرئيس بشار الأسد عبر دعم المعارضة «المعتدلة» ضده. النيّة كانت واضحة. ارضاء خاطر لتركيا التي تدرك جيداً أن الحملة الأميركية ما جاءت سوى حماية لحلفاء واشنطن الأكراد والخليجيين. تدرك أنقرة، بما لا شك فيه، أنها المتضرر الأكبر من ضرب «الدولة الإسلامية» حيث الحصة التركية هي الوازنة، تليها الحصة القطرية. وبالتالي، يبدو جلياً أن العثمانيين الجدد يسألون حليفهم الأميركي والأطلسي عن حصتهم من نتائج هذه الحملة قبل تقديم أي مساهمة فيها.
وبرغم ذلك المشهد، أعلن كيري أنه «واثق» بأن بلاده ستقيم «تحالفا عريضا مع دول عربية ودول أوروبية وآخرين» لمحاربة تنظيم «الدولة الإسلامية»، مضيفاً في الوقت ذاته، ومن أنقرة، إنه لن يكون ملائماً أن تشارك إيران في هذه المساعي.
وكان اللقاء مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي استمر نحو ساعتين ونصف ساعة، قد خرج بحديث فاتر، حيث أكد المسؤولان «استمرار بلديهما في العمل على مكافحة كافة التنظيمات الإرهابية، في المرحلة المقبلة كما في السابق»، وشددا كذلك على «استمرار بلديهما في التعاون الاستخباري، والدعم اللوجستي للمعارضة السورية، وتقديم المساعدات الإنسانية»، بحسب معلومات نقلتها وكالة «الأناضول» شبه الرسمية عن مصادر في الرئاسة التركية.
وكان كيري قد التقى نظيره التركي مولود جاووش أوغلو، الذي رأى وفقاً لمصادر «الأناضول»، أن «الانقسامات الطائفية، فتحت الطريق أمام ظهور الجماعات المتطرفة في العراق»، فيما ذكر أحد المسؤولين الأتراك أن «الوزيرين رأيا أن شن غارات على تنظيمات، مثل داعش، وقصفها، لن يقضيا عليها، مؤكدين ضرورة القضاء على الأسباب».
وقوّم المسؤول التركي زيارة كيري، ومن قبله زيارة وزير الدفاع الأميركي تشاك هاغل، إضافة إلى التعليقات المتصلة بالطلبات الأميركية من تركيا، بالقول: «إن تركيا والولايات المتحدة الأميركية أقدم حليفتين في المنطقة، وإن الفرق بين تركيا وباقي دول المنطقة أنها دولة ديمقراطية، لذلك فإننا نفهم بعضنا بعضا». ولفت المسؤول إلى أن اللقاء لم يتطرق إلى التحالف الموقع في مدينة جدة السعودية، اول من أمس، مبيناً أنه شدد على أن «تركيا مستعدة في كل وقت وبكافة الأشكال لتقديم المساعدات الإنسانية في المنطقة».
ومساء أمس، قال رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو إن الإجراء الأميركي في العراق لمواجهة تنظيم «الدولة الإسلامية» ضروري، لكنه لا يكفي لتحقيق الاستقرار السياسي.
ويقلل مسؤولون أميركيون من فرص إقناع أنقرة بأداء دور كبير في أي حملة عسكرية، قائلين إن المباحثات ستركز على مسائل عدة، منها جهود تركيا للقضاء على تدفق المقاتلين الاجانب الذين يعبرون حدودها، ودورها في تقديم مساعدات إنسانية. وكان مسؤول أميركي رفيع المستوى في وزارة الخارجية قد قال قبل المحادثات أمس، «أدى الأتراك دوراً استثنائيا في موضوعات انسانية تتعلق بالوضع ... وسيؤدون دورا ويؤدون دورا جوهريا في جهودنا لضرب تسهيلات المقاتلين الاجانب ومجابهة تمويل الإرهابيين». وأضاف «نرى ان نهجنا لتحقيق الاستقرار والأمن في سوريا والعراق، وفي الحملة على الدولة الإسلامية سيكون شموليا، وسيشمل قنوات للجهد تتجاوز العمل العسكري».
وكانت صحيفة «نيويورك تايمز» قد نقلت عن مسؤولين أميركيين قولهم إن «تركيا ستمثل جزءا رئيساً في التحالف العسكري والدبلوماسي (...) وذلك بصرف النظر إن جرت إعلانات عامة بشأن ذلك أم لا، والأمر ذاته في ما يخص السماح للقوات الأميركية الجوية باستخدام قواعدها»، لتحدد تطورات الأيام المقبلة بوصلة الموقف التركي الغائر في تفاصيل نظرته المثقلة بالعقد التاريخية حيال المشرق العربي.
وفي تطور مرتبط بارز، أعلنت وزارة الخارجية الأميركية ان الجنرال الاميركي جون آلن، الذي كان قائدا للقوات الاميركية في أفغانستان، وأدى دورا اساسيا في الحرب في العراق، عين منسقا للتحالف الدولي الذي تبنيه الولايات المتحدة للقضاء على تنظيم الدولة الاسلامية. وقالت مساعدة المتحدثة باسم الخارجية ماري هارف للصحافيين إن وزير الخارجية جون «كيري عين اليوم (أمس) الجنرال جون آلن في منصب المبعوث الرئاسي الخاص للتحالف ضد تنظيم الدولة الاسلامية»، مشيرة الى ان الجنرال آلن يتبع في هذا المنصب للوزير كيري. واضافت ان الدبلوماسي بريت ماكغورك، الذي يشغل منصب المسؤول في وزارة الخارجية عن ملفي العراق وايران، عين نائبا للجنرال آلن.
(الأخبار، أ ف ب، الأناضول، رويترز)