لم يكن ما جرى في جدة، أول من أمس، إعلان الحرب على «داعش» على وجه الخصوص، وعلى الإرهاب عموماً. بحسب تجربة العقدين الماضيين، فإن المعلن من تدابير يتلطى وراء غايات أخرى مناقضة له في الغالب.


في الشكل، يفقد المؤتمر العربي ـ الأميركي بمشاركة تركية الطابع الدولي. وفي حقيقة الأمر، يأتي المؤتمر في سياق الاستراتيجية الأميركية، في وقت التقطت فيه السعودية الرسالة لتجعل من الخطة الأميركية عنواناً لمؤتمر الحرب على الإرهاب لناحية ترميم التحالف الاستراتيجي مع واشنطن. ويجب التذكير بأن السعودية بذلت جهوداً استثنائية منذ عام 2005 لتأسيس مركز لمكافحة الإرهاب في الرياض، لكن الفكرة لم تحظ بإجماع دولي، لأن الغرب توصّل في وقت مبكّر إلى أن السعودية ليست المكان المناسب، وذلك لوجود تعاطف حتى داخل المؤسسة العسكرية مع تنظيم «القاعدة». وعاد الملك عبد الله في الأول من آب الماضي إلى التذكير بمشروعه: «دعونا منذ عشر سنوات في مؤتمر الرياض إلى إنشاء (المركز الدولي لمكافحة الإرهاب)، وقد حظي المقترح بتأييد العالم أجمع في حينه، وذلك بهدف التنسيق الأمثل بين الدول، لكننا أصبنا بخيبة أمل ـ بعد ذلك ـ بسبب عدم تفاعل المجتمع الدولي بشكل جدي مع هذه الفكرة، الأمر الذي أدى إلى عدم تفعيل المقترح بالشكل الذي كنّا نعلق عليه آمالاً كبيرة».
لم يتفاعل أحد مع المشروع السعودي.


من غريب
الصدف أن الإرهاب لا ينتعش إلا حين يكون الأميركي والسعودي طرفين فيه
السبب ببساطة أن ثمناً ما يراد من آل سعود دفعه. حلفاؤهم قالوا عن السعودية في عام 2003 إنها «محور الشر»، ثم تجدّدت انتقاداتهم عشية زيارة أوباما للسعودية في 27 آذار الماضي حين كشف النقاب عن فقرات من دراسة سرية أعدّها «المركز الدولي للدين والدبلوماسية» بتمويل من الخارجية الأميركية، التي توصلت، في أواخر 2012، إلى اتهام السعودية بتشجيع التطرّف والإرهاب. ولكن «المصالح الحيوية» للولايات المتحدة تحول دون ممارسة ضغوطات جديّة على السعودية بهدف إجراء مراجعة شاملة ونقدية لمناهج التعليم الديني، وفي الوقت نفسه لا تستجيب لمطلب السعودية برعاية مركز مكافحة الإرهاب.
الهدف السعودي واضح ويتمثّل في تفادي اليوم الذي تصنّف فيه «المملكة السعودية» من بين الدول الراعية للإرهاب، إن لم تكن في مقدمها.
ومن الجدير بالذكر أن من بين أهم أهداف «مؤتمر جدة» هو كما أعلن عن ذلك «الإسراع في تكوين المركز الدولي لمكافحة الإرهاب، الذي اقترحت السعودية تأسيسه عام 2005 ودعمته بنحو 100 مليون دولار في أغسطس (آب) الماضي»، وهذا بحد ذاته أكبر عامل فشل في الحرب على الإرهاب، لأن ما هو مطلوب من السعودية أكثر من مجرد احتضان المركز، بل أن تقوم بتجفيف المنابع الفكرية والمالية للإرهاب في الداخل. فليس محض صدفة أن تستلهم المنظمات الإرهابية عامة، من «القاعدة» بكل فروعها إلى «داعش» إلى تنظيمات السلفية الجهادية في العراق والشام، فكرها ونهجها ومشروعها الحلم ـ إقامة الخلافة/الإمامة الكبرى من الوهابية.
حتى الآن، ترفض السعودية الحديث عن دور الوهابية في حقن التنظيمات الإرهابية بأفكار كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد بشّر بها في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، مثل التكفير والهجرة والجهاد والولاء والبراء ونواقض الإيمان.
ولا تزال الحكومة السعودية تصرّ على خلط الأوراق بإدخال كل التنظيمات المعادية لها أو للولايات المتحدة («أنصار الله» في اليمن، «حماس» في فلسطين، «حزب الله» في لبنان، «الإخوان المسلمون» في مصر، الخ) في قائمة «المنظمات الإرهابية» للحيلولة دون التصويب على الوهابية منفردة في أي حملة دولية ضد الأيديولوجيات المحرّضة على الإرهاب.
ولذلك، إن أي حديث عن الحرب على الإرهاب منذ عام 2001 حتى اليوم ينطوي على فشل ذريع، لأن «العالم بات أقل أماناً» وليس كما وعد الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، بأن الحرب تلك ستجعل العالم أكثر أماناً.
مقاربة الإرهاب معلولة، لأن الأطراف الضالعة فيها ما زالت خارج المحاسبة، بل هي المكلفة إدارة تلك الحرب المزعومة على الإرهاب، الذي يُصنع على أراضيها، وفي مدارسها، وجامعاتها، وجوامعها، وإعلامها، ومطابعها، وأجهزة استخباراتها.
في جدة، أعيدت الروح إلى «محور الاعتدال» الأميركي الذي تعرّض لتصدّعات بنيوية نتيجة الخلاف على الحرب في سوريا. وكانت إعادة بناء التحالف الأميركي ـ السعودي بحاجة الى عنوان، فكان «داعش» وكان الإرهاب. ومن غريب الصدف أن الإرهاب لا ينتعش إلا حين يكون الأميركي والسعودي طرفين فيه.
في جدة شارك المتماثلون سياسياً ومحورياً، وهذا في حد ذاته مؤشر فشل الحرب على الإرهاب، لأن المعنيّين بها غائبون، والضالعين في أنشطته هم من يديرون الحرب عليه. بكلمات أخرى، مؤتمر جدّة بمثابة «صفقة» أميركية ـ سعودية، تنقذ آل سعود من ورطة رعاية الإرهاب، وتفسح الطريق أمام عودة النفوذ الأميركي إلى المنطقة، والفاتورة من نوع مسبوقة الدفع خليجياً.
المقاييس الأميركية ـ السعودية للحرب على الإرهاب تضع المنطقة أمام خطر حرب إقليمية جديدة، من طريق «استراتيجية التدحرج» التي تبدأ بأهداف تكتيكية معلنة ثم تفضي تدريجاً الى تغيير معادلات إقليمية عبر حروب متنقلة تؤول الى إعادة الهيمنة الأميركية على المنطقة.
بيان سعود الفيصل بعد «مؤتمر جدة» بمثابة إعلان لعودة «محور الاعتدال العربي» برعاية أميركية للعمل مجدداً بعنوان الحرب على «داعش»، ولكن سيعيد تعزيز الانقسام الإقليمي والدولي على أساس محاور، وسيجعل العالم أقل أماناً وأشد اضطراباً.