يعتبر اليمن من ضمن المجال الحيوي لتنظيم «القاعدة» وتفرعاته، وقد تمدد التنظيم في مناطق واسعة في هذا البلد. ووفق دراسات وأبحاث لمنظري «القاعدة»، يمتلك اليمن ميزات جغرافية (تضاريس ومرتفعات) تمثل موانع طبيعية يُستفاد منها في حماية المناطق التي تتم السيطرة عليها. ويقتصر مستوى العيش في اليمن على الضروريات وضعف الاقتصاد ووجود بنى تحتية قديمة غير معقدة.
نشأ تنظيم «القاعدة» في اليمن تحت اسم «أنصار الشريعة» في ظلّ التفاهم بين «الإخوان المسلمين» والسعودية، وهو التفاهم الذي بقي قائماً لعقود طويلة. ورعى مصلحة الطرفين، واستطاع إقامة منظومة فكرية وسياسية قابلة للاستثمار من الجانبين. المعاهد الدينية التي أُقيمت بالمئات في شمال البلاد قبل الوحدة، وتحديداً منذ أواخر ستينيات القرن الماضي، كانت المدد الفكري الذي نهل منه الطلبة والدعاة والمقاتلون والتكفيريون؛ ويكاد «النموذج اليمني» يكون حالةً فريدة لجهة التفاهم على «توليفة» فكرية تستفيد منها الأطراف «الإخوانية والسلفية والوهابية».
في بداية الألفية الثالثة، طرأ تحول مهم باكتشاف أن تنظيم «القاعدة في اليمن» أصبح يمثل «تهديداً للأمن الإقليمي والعالمي»، وأن التيارات المتطرفة اليمنية تمثل رافداً أساسياً لمنظمات «الجهاد» في مناطق النزاع، وأنهم السواد الأعظم من المقاتلين العرب في أفغانستان. وبعدما حمل التنظيم مسؤولية العديد من الضربات ضد المصالح الغربية، تبيّن أن «المعاهد الدينية» هي المغذي الفكري والغطاء الأمني لعناصر «القاعدة». فاضطرت حكومة عبد القادر باجمال الجديدة في أيار 2001 تحت ضغط من المجتمع الدولي إلى تقديم برنامجها للبرلمان اليمني، وفيه بند «إيقاف المعاهد الدينية»، الأمر الذي عارضه حزب «الإصلاح» بشدة، لكن الأغلبية في البرلمان منحت الحكومة الثقة.

لا يسعى «القاعدة» إلى القتال في عدن، بل هو يقود حالة الاضطراب العام

ثم أطل «الربيع العربي» على اليمن عام 2011 بانشقاق حزب «الإصلاح» عن شريكه التاريخي الرئيس السابق علي عبدالله صالح. حينها، استغل التنظيم الفرصة الناتجة من ضعف السلطة المركزية وسارع إلى إجراء «مطالعات ودراسات» للإفادة من حالة الفوضى التي تعم البلد، آخذاً بالاعتبار الظروف الموضوعية التي تمر بها المنطقة العربية من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدينية، وموازين القوى الإقليمية والدولية، ولا سيما التراجع الأميركي في المنطقة.
وخلُصت دراسات «القاعدة» إلى أن أكثر بلدين يمكن أن يحققا «الخلافة الإسلامية» هما «سوريا واليمن»، بالاستناد إلى الأسباب الموضوعية المذكورة، وبالإضافة إلى العنصر التاريخي (الجند هم جند الشام والمدد هو مدد اليمن).
ومنذ بداية العدوان السعودي، تحرك تنظيم «القاعدة» في اليمن فسيطر على حضرموت ضمن استراتيجية عامة للتنظيم بسبب «موقعها الحيوي»، بالإضافة إلى وجود مرافق اقتصادية ونفطية فيها وإطلالة طويلة على بحر العرب والبحر الأحمر ووجود موانئ تجني لها أموالاً طائلة من الضرائب وتهريب النفط، والاستفادة منها كنافذة للتواصل مع العالم الخارجي. وتعتبر المكلا اليوم عاصمة «الإمارة» غير المعلنة، ومنها تصدر التوجهات إلى التنظيم والإمرة بالتمدد وفق المقتضيات الأمنية والسياسية.
ويبدو أن التنظيم ليس على عجلة من أمره. فقد وفّر له العدوان الأرضية المناسبة للتمدد من دون قتال على الإطلاق، فينقض التنظيم على فرائسه من دون ضجيج، وإذا وجد أن حضوره في أي محافظة يجعله تحت الضوء، فلا مشكلة لديه بإعادة الانتشار من جديد والاختفاء بانتظار فرصة أخرى. ينفذ «القاعدة» في جنوب اليمن، ما هو مطلوب منه بإتقان، فهو يعمل على تفعيل «أحكام الشريعة» بنسب متفاوتة مراعية قدرة الناس على التحمل، وكل المؤشرات تدل على أن التنظيم يسعى إلى السيطرة على البلد بأقل الأضرار الممكنة، مستفيداً من تجربتَي سوريا والعراق. كما أنه لا عوائق لديه لعقد تحالفات مع جميع المكونات القبلية والحزبية (السلفية، الإصلاح، وبعض فصائل الحراك الجنوبي) وكذلك التنسيق مع ما يسمى «الشرعية» في أكثر من مكان.
ويستفيد «القاعدة» في جنوب اليمن بحسب «خططه» من الطاقات البشرية الموجودة واستثمارها في الإدارة والتوجيه والبناء وهي من أهم التحديات التي تواجه التنظيم في هذه المناطق (أكاديميين، دعاة، زعماء، قبائل، أطباء، مهندسين...) وغيرها من الثروات البشرية التي تقوم من خلالها بالتغطية الدعوية والإعلامية والبنوية للمدن والقرى وإدخالهم في مجالس محلية لإدارة شؤون المحافظات إن أمنت جانبهم، بل يتشارك في بعض المحافظات الإدارة مع مسؤولين حكوميين (إلى حين). ومن يتابع إعلام «القاعدة» في اليمن يلاحظ الحيوية في إقامة النشاطات الثقافية والاجتماعية والرياضية وغيرها، إذ إن عناصر التنظيم يتصرفون وفق مشروع «إقامة دولة» مكتملة البنيان.
تجاوز «القاعدة» في الجنوب مرحلة «البناء والقتال والتمكين»، فهو يمتلك مخزوناً هائلاً من السلاح والذخيرة (معظمه من الألوية التابعة لـ«الشرعية» والسلاح الذي سلم من الإمارات إلى الفصائل ووصل إليها أخيراً). ويسيطر التنظيم على المنشآت النفطية والموانئ البحرية، ويتحكم بحركة التصدير والاستيراد، وهو يدير مرافق الدولة الحيوية بواسطة المجالس المحلية الموالية له.
الاستثناء الوحيد في المراحل الثلاث هو عدن، حيث يتقاسم السيطرة مع «الشرعية»، فيسيطر التنظيم على مديريات: المنصورة، الشيخ عثمان، دار سعد ومعظم البريقة، فيما تسيطر «الشرعية» على: التواهي، خور مكسر وكريتر.
ويتحاشى كل من «القاعدة» و«التحالف» الاصطدام المباشر. هما يقيمان لقواتهما قواعد للعلاقة وخطوطاً حمراء لا يتم تجاوزها، مثلما حدث في مرفأ الحاويات ومحيط المطار في عدن، حيث سيطرت عليهما «الشرعية» ضمن تسوية من دون قتال. في المقابل، رغم الضجيج الإعلامي الخليجي عن الإعداد لخطة أمنية واستقدام قوات إضافية من قوى «التحالف» لـ«الحفاظ على أمن عدن»، فشلت هذه الخطة عند أول اشتباك في مديرية المنصورة.
لا يسعى «القاعدة» إلى القتال في عدن، بل هو يقود حالة الاضطراب العام والفوضى العارمة، من خلال عمليات القتل اليومي التي أصبح عددها يقاس بالساعات، لا بالأيام. وهي تستهدف كل الشخصيات والرموز الجنوبية المؤثرة والتي لها دور فعال في المجتمع، ويسهل عمليات عصابات النهب والسلب المنظمة. يهدف «القاعدة» من إفقاد الأمن في عدن إلى جعل الناس يبحثون عن أهم خدمة لحماية أنفسهم، ثم استجرار الولاء لمن يقدم «خدمة الأمن».
ليس هناك قرار لدى «القاعدة» في جنوب اليمن بإعلان «الخلافة» حالياً بصورة رسمية، مثلما فعل «داعش» لأنه يتوقع أن يلجأ أعداؤه الى تشكيل «تحالف عسكري دولي» مهمته القضاء على وجوده في اليمن لتهديده منابع النفط والممرات البحرية، كما أنه يسبب حرجاً كبيراً للسعودية والملحقين بها في العدوان على اليمن.
كذلك، لا يوجد قرار لدول «التحالف» بشن الحرب على «القاعدة». وينحصر التركيز والجهد بقتال «أنصار الله» في الشمال من جهة، وبالخشية من أن يتحول جهود «القاعدة» إلى شن عمليات على قوات «التحالف» في اليمن وتهديد أمن دول الخليج، وخصوصاً السعودية والإمارات من جهة أخرى. بمعنى آخر، يراعي الطرفان ظروف بعضهما بعضاً، ويستفيد كل منهما من مساحة الاستثمار السياسي وتبادل الأدوار الميدانية، وإن قررت السعودية العزوف عن «الاستثمار» بـ«القاعدة» وامتلكت يوماً ما الإرادة في قتال التنظيم، تكون الأخيرة قد زادت من تمددها وراكمت في قوتها، بينما السعودية ودول الخليج استنزفت في حروبها في سوريا وفي عدوانها العبثي في اليمن.