منذ اجتياح مسلحي داعش أراضي غرب العراق في حزيران 2014، تكثفت الخطب السياسية للمرجعية الشيعية العليا، متركزة على آليات محاربة "داعش" والزخم المعنوي المطلوب لذلك. وخلال الأشهر القليلة الماضية، جنحت هذه الخطب نحو صب اهتماماتها على الإصلاحات، إلى جانب محاربة الإرهاب. اليوم، تتجه المرجعية نحو تقليل كلمتها السياسية إلى الحدود الدنيا، في وقت تتسارع فيه التطورات الميدانية على نحو لا يروق "الحشد الشعبي" ابن المرجعية الشرعي، وبالتوازي مع دخول العملية الإصلاحية وتيرة بطيئة وغير فعالة. سياقات تطرح العديد من علامات الاستفهام حول خطوة المرجع علي السيستاني، وتفتح الباب على سيناريوات لا تبدو مطمئنة للكثيرين في لحظة حساسة وحرجة يمر بها العراق.
لا بوادر حلحلة في أزمة رواتب "الحشد الشعبي"

وأعلنت المرجعية توقفها مؤقتاً عن تناول أمور السياسة بشكل أسبوعي في خطبة الجمعة. ولم يحدد السيد أحمد الصافي، ممثل السيستاني في كربلاء سبباً للكف عن الحديث في السياسة، لكنه قال إن "دأبنا في قراءة نص مكتوب يمثل رؤى وأنظار المرجعية لن يكون أسبوعياً، بل حسب ما يستجد من أمور وما تقتضيه المناسبات العليا في الشأن العراقي". وكان السيستاني قد انتقد في آخر خطبة سياسية له في الأول من شباط الجاري القوى التي حكمت العراق عقب سقوط نظام صدام حسين، محملاً إياها مسؤولية الأزمات المتكررة والمعضلة المالية في البلاد. وقال ممثل المرجعية في كربلاء الشيخ عبد المهدي الكربلائي حينها "إنه كان بالإمكان تجنب الكثير من المشكلات لو كان من بيده الأمور من القوى السياسية قد أحسن التصرف ولم يلهث وراء مصالح شخصية ومناطقية وفئوية بدلاً من مصلحة العراق والعراقيين".
على خط مواز، وفي آخر تطورات معركة الرمادي التي تخوضها القوات العراقية من دون مشاركة الحشد الشعبي، أعلنت قيادة العمليات المشتركة تحرير منطقة السجارية شرقي المدينة بالكامل ورفع الأعلام العراقية فوق مبانيها. وأشارت القيادة في بيان صادر عنها إلى أن القوات العراقية تمكنت أثناء المعركة من قتل عدد كبير من عناصر داعش ورفع العشرات من العبوات الناسفة التي خلفها مسلحو التنظيم في المنطقة. ومع تحرير السجارية، تكون جميع أحياء الرمادي مركز محافظة الأنبار قد باتت تحت سيطرة القوات العراقية، باستثناء حيين اثنين لا يزالان محاصرين في الأطراف الشرقية من المدينة، هما: جويبة وحصيبة الشرقية.
في غضون ذلك، استمر الأخذ والرد في ما يتصل برواتب مقاتلي الحشد الشعبي ومخصصاتهم، من دون أي بوادر حلول، بل إن التصريحات التي ظهرت خلال الساعات الأخيرة تشي باندفاع الأزمة نحو مزيد من التعقيد. يوم أمس، أدلى المتحدث باسم هيئة الحشد النائب أحمد الأسدي بتصريح اعتبر فيه أن "توجيه رئيس الوزراء حيدر العبادي بالتحقيق في آلية توزيع الرواتب لا يعني وجود خلل أو تجاوز، إنما لمعرفة أسباب ارتفاع أعداد المقاتلين وعدم احتسابهم ضمن الموازنة"، لافتاً إلى أن "المفتش العام للحشد طلب من رئيس الوزراء تشكيل لجنة مشتركة للإشراف على آلية توزيع الرواتب". وكان العبادي قد أصدر بياناً يوم الخميس دعا فيه المفتشية العامة للحشد إلى "الكشف عن ملابسات توزيع الرواتب للمقاتلين وضمان آلية صحيحة وعادلة لتوزيعها ووصولها إلى المقاتلين الأبطال في الجبهات".
إلى ذلك، لا يزال الجدل متصاعداً حول الخندق الذي باشرت قيادة عمليات بغداد مطلع الشهر الحالي شقه كمرحلة أولى للإحاطة بالعاصمة. وجدد تحالف القوى العراقية يوم أمس رفضه إنشاء السور، معتبراً إياه محاولة لاقتطاع أجزاء من محافظة الأنبار وضمها إلى بغداد. وقال التحالف في بيان صادر عنه "إن الخندق مقدمة لإعادة رسم خريطة العراق على أسس طائفية وعنصرية بما يمهد لتقسيم البلد وتحويله إلى دويلات صغيرة خدمة لأجندات خارجية معروفة. في المقابل، أرجع عضو لجنة الأمن والدفاع سعد المطلبي حفر الخندق إلى أسباب أمنية بحتة تتعلق بإغلاق الثغر التي قد يتسلل منها "داعش" إلى العاصمة. ونفى المطلبي في تصريح صحافي أن تكون للسور علاقة بالوضع السياسي أو بالحدود الإدارية للمحافظات.
(الأخبار، رويترز، الأناضول)