لم تكن ليبيا في نظر الغرب سوى مساحة صحراوية واسعة في منتصف الشمال الأفريقي، تعيش فيها مجموعات من القبائل المتحالفة والمتنافسة، تشترك في الفقر المدقع. ظلّت هذه النظرة حتى عام 1959، عندما اكتشف النفط في صحرائها وبدأ إنتاجه عام 1961. تغيّرت حينئذ نظرة الغرب إلى هذه الدولة الصحرواية.


تغيّرت ليبيا بعد الثورة النفطية، دخل التحسن المعيشي كل بيت، لكن ذلك لم يغيّر طبيعة هذا المجتمع القبلي. حتى «رجل الخيمة» معمر القذافي لم يستطع أن يخرج من «رحمة» إرضاء القبيلة، رغم «دكتاتوريته» وقبضته الحديدية على البلاد لأكثر من أربعة عقود. دائماً ما كان يحاول إيجاد التوازن بين القبائل. يعلم أن العرف القبلي أقوى من الدولة، وقوانينه نافذة على العائلات أكثر من كتابه الأخضر.
استطاع «العقيد» إلى حد ما إرضاء قبائل الغرب الليبي، ولا سيما ورشفانه في طرابلس وورفله في الوسط، بإعطائها بعض النفوذ في السلطة. أقرباؤه في مدينة سرت كانوا تحت رايته، فرع «القذاذفة» في سبها الجنوبية وضعهم في موقع النفوذ على حساب قبيلة «أولاد سليمان» الأكبر والأكثر عدداً. تحالف مع المقارحة وزوج ابنها عبدالله السنوسي_ذراعه الأمنية_بأخت زوجته صفية فركاش.
بقيت عقدته الشرق الليبي. لم يكن يوماً على وئام مع قبائله. هي طبيعة الشرق الليبي المتمرّد دائماً على غربه، وزاد القذافي هذه النقمة بحرمان بنغازي والمدن الكبرى التنمية. ربما لذلك انطلقت شرارة الثورة في الشرق وسقطت مدنه سريعاً بيد «الثائرين»، قبل أن تتهاوى مدن الغرب ويقتل القذافي.
لم تفرز «الثورة» الليبية شخصية كارزماتية تجمع الناس حولها. مصطفى عبدالجليل شخصية محترمة عند معظم الليبيين، لكنه لا يصلح لقيادة البلاد. محمود جبريل ابن قبيلة «ورفله»، حاول طرح نفسه كقائد للبلاد وتمكن من جمع بعض التيارات والقبائل، نجح بداية لكن الإسلاميين عرفوا كيف يسحبون البساط من تحت قدميه.

لم تفرز «الثورة»
الليبية شخصية كارزماتية تجمع
الناس حولها

في علم السياسة، عليك أن تدرس التركيبة الاجتماعية لأي دولة قبل أن تتخذ خطوات عملية على الأرض. قبل «الثورة»، كان التحزّب «حرام» في العقيدة القذافية، والإسلاميون كانوا تحت مقصلة العقيد متى أمسك بهم، وفي الخارج هم «كلاب ضاّلة» يجب اجتثاثهم.
ظهر الإسلاميون إلى العلن مع «الثورة»، لكن من دون قواعد شعبية حاضنة لهم، فالليبي بطبيعته «مالكي» المذهب، معتدل في إسلامه، والطرق الصوفية تنتشر في البلاد.
كانت استراتيجية جماعة «الإخوان المسلمين»، طبعاً بمساعدة ودعم من قطر وتركيا، التحالف مع مصراته المدينة المعروفة بغناها، التي تملك ميناء ومطاراً خاصين بها. أبناؤها يفتخرون بأنهم بنوا مدينتهم بعرق جبينهم، من دون منّة حتى من مال القذافي.
مدينة الزاوية ومشايخها دائماً ما كانوا في صفوف الإسلاميين. وفي طرابلس تمدّدت الجماعة في مناطق سوق الجمعة وتاجوراء، قبل أن تأخذ نفوذاً في زليتن.
السؤال ما هو الأمر المشترك في هذه المدن؟
نلاحظ أن أغلبها تقع على الشريط الساحلي الليبي، الأهم أيضاً أن سكان هذه المناطق ليسوا من أبناء القبائل، بل أغلبهم من أصول تركية. كل هذا ساعد على تعاظم قوة «الإخوان» في هذه المناطق. الاختراق الأساسي لـ«الجماعة» كان في استمالة الأمازيغ في الجبل الغربي (جبل نفوسة بالأمازيغية) إلى صفوفهم، فضلاً عن بناء تحالف استراتيجي مع «المقارحة» القبيلة الكبيرة وصاحبة النفوذ في الجنوب الليبي. كل هذا جمع تحت تحالف «فجر ليبيا» الذي يضم الجماعة المقاتلة الليبية المتشددة وبعض الكتائب الإسلامية الصغيرة.
العاصمة هي الهدف، فالمسيطر على طرابلس يفرض نفوذه السياسي والأمني على باقي المناطق. لكن الزنتان المدعومة من السعودية والإمارات تسيطر على المطار واجهة البلاد. خاف الإسلاميون من أن تفتح الزنتان المطار لمقاتلات حليفها اللواء السابق خليفة حفتر، فيفعل بهم ما يفعله بالإسلاميين المتشددين في الشرق. دفعوا بقواتهم نحو المطار وتمكن فريقهم «فجر ليبيا» من اقتحامه، وإنهاء وجود ما يسمى عملية «الكرامة» في طرابلس.
انتصر محور مصراته ومدن الساحل المدعوم من الإسلاميين على محور حفتر ـــ الزنتان. هي الآن استراحة المحارب، تهدأ طرابلس عسكرياً، لكنها لم تهدأ بين الحلفاء، فكل طرف حاول السيطرة على مقر حكومي كغنيمة حرب تستفيد منها ميليشياته. كادت الأمور أن تتفجر بين المسلّحين، رفع السلاح أكثر من مرة في ما بينهم، قبل أن يستقر الرأي على ترك إدارات الدولة لمن فيها من إداريين.
لا شيء يبعث على الراحة في طرابلس أو جوارها، النفوس مشحونة، طرابلس هي في الأساس خليط من القبائل الليبية، الرصاص يسمع يومياً في أزقتها، أهاليها الأصليون من قبيلة «ورشفانة»، صنّفهم الإسلاميون كطرف معارض، وتعرّضت مدينتهم ورشفانة لقصف الميليشيات الإسلامية المسلّحة، فقرروا أخيراً التسلح، والزنتان كانت جاهزة لمدهم بأحدث الأسلحة الإماراتية.
ترهونة الواقعة جنوبي العاصمة، لطالما كان لأبنائها دور في غرفة القرار الليبي، ترى نفسها مغيّبة عن المسرح. هي اتخذت الحياد الإيجابي بداية، لكنها اليوم أقرب إلى الزنتان وحفتر من مصراته. مصادر تؤكد أن خميس ابن القذافي قتل في إحدى غارات حلف «شمال الأطلسي» في ترهونة ودفن هناك سراً، وأن لا صحة لأي معلومات حول هروبه أو ما يشاع عن فقدان رجليه. قبيلة «ورفلة» ومركزها مدينة بني وليد لا تحتاج إلى تحفيز لدفعها للقتال، وخصوصاً ضد مصراته العدو التاريخي لها.
الجبهة التي كوّنها تحالف الزنتان_ورشفانة_ترهونة_ورفلة، لا تبدو هيّنة. ولا تقلّ الجبهة المقابلة، القبائلية_الإسلامية شأناً عنها. المعركة آتية لا محال، التوقيت يدرسه الطرفان، وربما تشتعل فجأة.. لا أحد يدري. لكن هذه المرة ستكون المعركة أكثر قساوة وعنفاً، فالقبائل في جميع البلاد تموضعت في معسكرين، أغلب الشرق باستثناء درنة ومناطق في الجبل الأخضر مؤيدة «للكرامة». وسط البلاد جلّه تحت قيادة مصراته، الغرب الليبي يبدو مقسوماً كما أسلفنا، فيما الجنوب قبائله متناحرة ولها وضعيّتها الخاصة.
من يعرف تاريخ ليبيا، فسيقول لك فوراً «ما أشبه الماضي بالحاضر». عام 1917 عاشت ليبيا معركة قبائلية مماثلة ظلّت رحاها مستمرة حتى عام 1925، قبل أن تقع المصالحة القبلية. اليوم المشهد نفسه يتكرر بنكهة إسلامية ودعم من محورين، إماراتي_سعودي من جهة، وقطري_تركي من جهة ثانية. الخاسر الأكبر كالعادة هم شباب هذا البلد، فأغلب حمَلة السلاح في الطرفين لا تتعدى أعمارهم العشرين عاما. منهم من يحمل السلاح بسبب غياب الطموح أو دفاعاً عن شرف القبيلة، ومعظمهم يمتشقون البارودة من أجل حوالي ألف دولار يحصلون عليها نهاية الشهر، فيما باطن الأرض، يحتوي على مخزون من الذهب الأسود، تشير التقديرات_بأضعف الإيمان_إلى أن كل مواطن ليبي له منه حصة لا تقلّ عن خمسة آلاف دولار.