كشف الملف الغني الذي أنجزه الزملاء في «الأخبار» (الأربعاء 17 أيلول 2014) حول مواقف مسيحيي لبنان إزاء إمكانية تمدد تنظيم «داعش» والإرهاب التكفيري إلى مناطقهم، عن ثلاثة اتجاهات؛ الأول أنهم مهجوسون بمخاوف حقيقية، لا في البقاع الشمالي المهدّد فعلاً فقط، بل حتى في قلب كسروان. والثاني أنهم يعوّلون على حزب الله في رد الوحش الآتي. وثالثاً أنهم يتسلّحون، ويتطلعون إلى بناء الأمن الذاتي لمناطقهم.


قيادي من حزب الله التقى ممثلين محليين عن المسيحيين الراغبين في الحماية والتدريب والتسلّح، فأبلغهم بما لا يشفي الغليل: الجيش ثم الجيش ثم الجيش! في الواقع، هي إجابة محبطة للغاية. فالجيش اللبناني، كما ظهر في مواجهات عرسال، بطل مقيّد بقرارات حكومية هي أقرب، سياسياً وعاطفياً، إلى الدواعش منها إلى أمن لبنان وسيادته. وحتى لو كان الجيش يحظى بغطاء سياسي يمكّنه من القتال بحريّة، فإن أمن المناطق والبلدات لا تكفله القوات المسلحة، بل السلاح في أيدي المواطنين. ففي التجربة السورية، حيث يخوض الجيش السوري ومقاتلو حزب الله حرباً باسلة ضد الإرهاب، مدعومة بقرار سياسي محلي وإقليمي ودولي، لاحظنا أن الإرهابيين الذين يعتمدون أساليب حرب العصابات، يستطيعون، دائماً، مداهمة قرية أو حي. وهذا ممكن، في صورة اعتيادية، في هذا الشكل من القتال. إذ لا يستطيع الجيش، مهما كان عديده، أن يكون متوفراً، غب الطلب، في كل ناحية سكنية، وعلى حدود كل ضيعة.
الأمن الذاتي أصبح اتجاهاً عاماً ومطلبا لدى جميع مسيحيي المشرق. يتسلّحون فردياً حيثما كانوا، وينخرطون، في سوريا تحديداً، في صيغ قتالية مختلفة، من بينها الأمن الذاتي. ويُقال إن حزب الله لعب دوراً في ذلك كله، إلا أنه، في لبنان، مترددٌ، خشية الاشتباه. لكن القلق المسيحي جدّي ويشكّل محوراً للحياة اليومية. وفيما يفكر الشباب بالهجرة، يشعر الكثيرون بأن حياتهم خارج بلادهم بلا إمكانية ولا معنى، بينما لا توجد أطر دولتية قادرة على تحصين المناطق والبلدات والأحياء من شبح الإرهاب الذي يجول في مشرق يتعرض لحرب غربية ــــ خليجية ــــ تركية ماحقة، لا تبدو على وشك الانتهاء.
كل مكوّنات المشرق العربي مهدّدة بالذبح والتهجير والإقصاء؛ الشيعة والمسيحيون والعلويون والإسماعيليون والدروز... الخ من مكونات المشرق العديدة التي يعتبرها التكفيريون من «الأغيار»، تشعر بأنها تواجه الخطر الأسود؛ هذا الخطر ليس افتراضياً، بل هو «قصة موت معلَن».
السكّين الداعشي ــــ والوهابي بكل أشكاله ــــ يهدد، أيضاً، رقاب السنّة العرب. بل إنه، في الأساس، مشروع إخضاع الأكثرية السنية بالذات للفاشية الدينية، ومنعها من الانخراط في مشروع قومي ديموقراطي تحرري. لكن ذلك المشروع يحقق نجاحات على مستويات عدة؛ فأولاً، أصبحت الداعشية الوهابية تتمتع بالهيمنة الفكرية على قطاعات جماهيرية واسعة نسبياً، ويكفي أن نلاحظ كيف تحوّل البعثيون العراقيون وجمهورهم من المنحى القومي إلى المنحى الداعشي؛ ونلاحظ، ثانياً، أن كل أشكال الحركات السلفية والتكفيرية والإرهابية، تتمتع بحواضن اجتماعية ــــ سياسية، هي، في الأساس، مصدر قوتها، ونلاحظ، ثالثاً، انكفاء الإخوان المسلمين عن الخطاب الإصلاحي الليبرالي الذي روّجوا له في العقدين السابقين لما يسمى «الربيع العربي»، إلى التساوق مع النزعات التكفيرية والإرهابية. ومما له دلالة أنهم لم يصدروا حتى الآن موقفاً واحداً لإدانة جرائم «داعش» في سوريا والعراق، ونلاحظ، رابعاً، أن النخب الثقافية المدنية تنأى بنفسها عن اتخاذ موقف من الوهابية ــــ الداعشية، على سبيل الخوف أو حتى الانتهازية السياسية.
في المحصلة، هناك وهم سارٍ في وعي المكوّن الأغلبي بأنه غير مهدد. وهذا غير صحيح البتة بالطبع، لكنه وهمٌ مهيمن. وتقع مهمة تغيير هذا الواقع المظلم على عاتق القوى اليسارية والقومية العلمانية التي ــــ على الرغم من ضعفها التنظيمي والجماهيري ــــ تتمتع بميزة قوّة خاصة بها، وهي أنها تخترق الطوائف والمكوّنات، ويمكن أن تكون نواة لحركة جامعة مضادة للفاشية الدينية الطائفية والتكفيرية، بشرط أن تحظى بدعم جدي وجريء من محور المقاومة.