غزة | إن تأكد خبر موت المهاجرين من غزة إلى أوروبا، فإن البحر المتوسط الذي كان دوما محطّ التفريغ ومبعث الأمل للغزيين وصياديها، صار اليوم عدوّا، أو على الأقل، فالذاكرة معه ليست جميلة.

القصة بدأت مع قرار كثيرين الهجرة عبر ما تبقى من أنفاق مع مصر إلى مدينة الإسكندرية التي سيبحرون عبرها لعدة أيام قبل الوصول إلى إيطاليا، ثم يجري ترحيلهم إلى دول أخرى تستقبل لاجئين. هذا ما كشفته «الأخبار» قبل أكثر من أسبوع (العدد ٢٣٨٩ في ٩ أيلول)، فرغم أن معبر رفح البري كان قد افتتح بصورة جزئية، فإنه ظل مقتصرا على الحالات الخاصة للسفر، ما دفع الناس إلى البحر.

تعجّلت مصادر ووسائل إعلام كثيرة في إعطاء أرقام غير دقيقة لعدد المهاجرين غير الشرعيين، وأيضا لعدد الضحايا منهم، لكن بعض الخيوط بدأت تتكشف بشهادات من نجوا من حادثة غرق السفينتين اللتين أقلعتا من شواطئ الإسكندرية، وذلك خلال طريقهما إلى جزيرة صقلية الإيطالية، كما أفادت أنباء أخرى بأنها كانت ثلاث سفن. «الأخبار» تواصلت مع مصادر في السفارة الفلسطينية لدى روما، فقالت إن ما عندها من معلومات يفيد بأن سفينتين كانتا تقلان ما يزيد على 700 مهاجر من بينهم 250 غزيًا على الأقل مع فلسطينيين آخرين من سوريا نزحوا إلى القاهرة، إضافة إلى عائلات فلسطينية تعيش في العريش منذ سنوات.
تقول مصادر السفارة إن الناجين من هذه الكارثة، حتى كتابة النص، لم يتعدّ عددهم خمسة أشخاص فقط، فيما الآخرون لا يزالون في عداد المفقودين، ولا سيما أن حادثة الغرق جرت على بعد 300 كلم من حدود الجزيرة الإيطالية. ونقلت مسؤولة في السفارة عن أحد الشهود الذين نجوا من الحادثة، وهو عبد المجيد الحيلة (23 عامًا)، شهادته بأن المهربين تسببوا في غرق إحدى السفن بعد خلافات نشبت بينهم وبين المهاجرين.أما شاهد آخر كان متواصلا مع أحد الناجين، فقال إن سفنا أخرى جاءت واصطدمت عمدا بالقوارب الثلاثة عبر قضبان حديدية كبيرة في مقدمة تلك السفن، ما أدى إلى انقلاب قوارب المهاجرين.

بين المفقودين
عائلات بأكملها من غزة وفلسطينيي سوريا والعريش

وما بين الروايتين، نقل موقع «المجد» الأمني المقرب من حركة «حماس» تقريرا يفيد بأن «جهات استخبارية في المنطقة» تقف وراء غرق ثلاث سفن تقل مهاجرين من غزة، وأن الحدث مخطط له ولم يكن عبثياً. ولم يستبعد «المجد» أن يكون للاحتلال، وجهات استخبارية أخرى، يدٌ في استهداف السفن، وخاصة أنها تقل شبانا باحثين عن العمل، «وذلك لتشويه واقع الفلسطينيين بعد الحرب الأخيرة، وإشعال الجبهة الداخلية في غزة».وأضاف الموقع: «حوادث الغرق التي وقعت ما بين بدء الثورات العربية إلى ما قبل العدوان على غزة قليلة مقارنة بالمدة الزمنية التي جرت فيها، لكن الآن سجلت ثلاثة حوادث في أقل من أسبوع».
تعود مصادر السفارة لتقول إن ما يزيد على 500 شخص كانوا داخل سفينة واحدة تتكون من طابقين، وهي أبحرت من مرفأ «دمياط» قرب الإسكندرية حيث استقل المهاجرون مركبا لا يتجاوز طوله 18 مترا، وكان أصلا نصف ممتلئ بركاب مصريين وسودانيين. هذه السفينة لم تكن مجهزة بأدوات الإنقاذ، لذلك تقدر السفارة أن أغلب من كان على متن القارب قد فارقوا الحياة، مضيفة: «تتضاءل فرص النجاة لأن الخبراء يقدرون أن جسد الإنسان لا يحتمل العيش داخل المياه أكثر من سبعة أيام»، فضلا عن وجود أطفال ونساء.
وفق تقديرات أهالي المفقودين، فقد غرقت السفينة يومي الأربعاء والخميس من الأسبوع المنصرم مع تأخر عمل فرق الإنقاذ، وهو الأمر الذي يبدد حالة التفاؤل في فرص النجاة، لكن المسؤولة في السفارة في إيطالية أكدت لـ«الأخبار» أن عددًا من القناصلة والمبعوثين منتشرون في جزر صقلية وميلانو وسيريليا لانتظار عدد آخر ممن قد يكونون قد نجوا، إلى جانب البحث في المستشفيات، كما جرت مطالبة الاتحاد الأوروبي بالتدخل لإنقاذ الغرقى، ولا سيما أنهم ضمن نطاق الحدود الأوروبية.
مدير المرصد الأورومتوسطي رامي عبده نقل، من جهته، فقدان مئات الأشخاص من غزة كما أفادته السفارة الفلسطينية لدى العاصمة اليونانية أثينا. وأوضح عبده أن هناك من المهاجرين مئات الأشخاص من غزة، وآخرين مقيمين في العريش، «بل هناك أسر بأكملها كعائلة بكر التي ضمت ما يقرب 30 فرداً».
ورغم نشر قوائم بأسماء المفقودين، فإن عبده شدد على أنه لا تتوافر لديهم معلومات دقيقة عن أسماء أو أرقام محددة لضحايا الغرق، لافتاً إلى تشكيل المرصد ثلاثة فرق رصد في مالطا وإيطاليا واليونان.
السفارة الفلسطينية لدى أثينا أعادت، هي الأخرى، تأكيد تعرض السفن للغرق بصورة متعمدة، موضحة، في بيان وصل «الأخبار»، أن سفينة مصرية تحمل اسم سفينة «الحاج رزق» ارتطمت بسفينة المهاجرين وأغرقتها في حدود المياه الإقليمية المالطية (على بعد 120 ميلا بحريا من الشواطئ الإيطالية) بعدما كانت قد «انطلقت من شواطئ الإسكندرية بترتيبات من مجرم مهرب يدعى أبو حمادة». وأشارت السفارة إلى أن النجدة وصلت من إيطاليا ومالطا صباح السبت الماضي «ما يعني أن الغرقى مكثوا في المياه نحو ثلاثة أيام، ثم وصلت سفينة يونانية تجارية وأنقذت ثلاثة فلسطينيين هم الآن في خانيا في جزيرة كريت».
أما في غزة، فلا تزال عائلات المفقودين بانتظار خبر يطمئنها إلى مصير أبنائها، وبعضها فتحت بيوت العزاء لفقدانها الأمل بعودة أبنائها. ترافق ذلك مع إفادة السفير الفلسطيني لدى القاهرة، جمال الشوبكي، بوجود 221 معتقلًا فلسطينيًا في السجون المصرية ممن حاولوا الهجرة بطريقة غير مشروعة. وقال الشوبكي، في تصريح أمس، إن هؤلاء موزعون على أربعة معتقلات رئيسية، وتتواصل معهم السفارة لتغطية حاجاتهم الأساسية، لكنه توقع تعرضهم للمحاكمة بسبب دخول مصر من دون إذن. بشأن ضحايا سفينة الإسكندرية، أشار السفير إلى أنه لم يعثر على أحد منهم في المياه الإقليمية المصرية.
وتذكر تقديرات المنظمة الدولية للهجرة إلى وفاة ما يقارب ثلاثة آلاف مهاجر غرقا في مياه البحر المتوسط خلال العام الجاري، وهو ما يعادل ارتفاعا بأربعة أضعاف عن عددهم في العام الماضي.