غزة | قبل أن يصبح أبناء «حماس» عناصر في هذا التنظيم الإسلامي المنبثق عن جماعة «الإخوان المسلمون»، عليهم أن يؤدوا قسم البيعة أمام أمرائهم على «السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره». بموجب هذه البيعة، لا يحق لهم أن يجادلوا قيادات الصف الأول في ما أقروا، أتعلق ذلك بأمر دعوي أم سياسي، ولا سيما أن المسلّم به داخل التنظيم غياب أي فصل بين الدين والسياسة.


رغم هذا البناء المتين، فقد دفعت جملة المتغيرات الإقليمية في النصف الثاني من العام الجاري بالحركة نحو اتخاذ قرار بالمصالحة مع غريمتها «فتح»، علماً بأنها دخلت المعترك السياسي عام 2006 بتحقيق كتلتها البرلمانية أكثر من ثلثي أصوات المجلس التشريعي. ومقابل خطوة المصالحة، رفع عناصر في «حماس» أيديهم ليسجلوا نقطة نظام على هذه الخطوة التي وصفوها بـ«الخطيرة»، لأنهم يرون أن الحكومة التي جرى تشكيلها أواخر أيار الماضي، «التوافق»، هي «حكومة تكنوقراط في المظهر، وفتحاوية في الجوهر».
حتى على المستوى الإعلامي ظهرت عدة إشارات اعتراض منها «مانشيت» صحيفة «الرسالة»، التابعة لـ«حماس»، في عددها الصادر في الثاني من حزيران الماضي، وحمل عنوان (حكومة عباس - قراط). في ذلك اليوم كان رئيس السلطة، محمود عباس، قد أصر على تولي رياض المالكي وزارة الخارجية، وهو شخصية تقع في محل رفض حمساوي، الأمر الذي هدد بفرط عقد المصالحة، لكن سرعان ما قبلت «حماس» التشكيلة كلها. وصار للقرار التي اتخذ على مستوى المكتب السياسي للحركة بالموافقة على اشتراطات عباس له أثر بالغ في نفوس القاعدة العريضة للتنظيم الإسلامي داخل الهياكل الرسمية والمناصرين، ولا سيما أصحاب الرؤى التي لا ترحب بفكرة الاندماج مع «فتح ذات التوجه العلماني».
أيضاً، جاء دخول «حماس» الحكم قبل ثماني سنوات ومحاولة انسحابها منه مع بقاء مصير 40 ألف موظف وعائلاتهم معلقاً ليسهم ذلك في خلخلة القاعدة الجماهيرية للحركة والتأثير في شعبيتها. وزادت صعوبة الموقف مع تفاقم أزمة الرواتب والاعتداء على البنوك إلى أن صدمت الحرب قطار التدهور السياسي الفلسطيني، وأجّلت النقاش الداخلي الرسمي والشعبي 51 يوماً.
بعد الحرب، عادت أصوات شعبية أخرى لتتظاهر على «حماس»، بجانب هجومها على «فتح»، جراء فقدان الأثر المباشر لمفاوضات القاهرة، بالتزامن مع عودة التراشق الإعلامي والخوف من بقاء قضية الإعمار رهناً بهذه التجاذبات. وزاد على ذلك استرجاع الذاكرة الشعبية الخوف من تكرار تجربة الانقسام الفلسطيني قبل ثماني سنوات إن عادت السلطة مجدداً إلى غزة دون حل الخلافات كلياً، ما يعني أن هناك «حزيران» دامياً آخر.
مع ذلك، عملت القيادة السياسية لـ«حماس» على تسويق رؤيتها بشأن المقاربة بين المصلحة العامة والخاصة، فخرج عضو مكتبها السياسي، موسى أبو مرزوق، إلى القواعد الدنيا وعبر المساجد والقاعات المغلقة حتى يوضح دواعي النزول عن الشجرة. كان واحداً من مبررات أبو مرزوق حيال المصالحة مع «فتح»، وفق مصادر حركية مطلعة، الحفاظ على بقاء «حماس» من الاندثار بفعل ما صار يسمى داخلياً «الخريف العربي الذي أسقط ورقة الإسلاميين ممن تصدروا الواجهة في أعقاب التحركات التي شهدتها كل من مصر وليبيا وسوريا». وأقرت تلك المصادر بأن هناك «أصواتاً معارضة داخل حماس ضد قبولها حكومة الحمدالله الذي كان في وقت من الأوقات جزءاً من الانقسام»، لكنها شددت على أن «الحركة تعمل وفق مبدأ شوريّ وتأخذ مواقفها بالإجماع».
أما على المستوى الشعبي، فإن الاستياء بلغ حدّه جراء تردي الأوضاع المعيشية في غزة إلى نحو غير مسبوق قبل الحرب وبعدها، وخصوصاً أن معدلات البطالة تخطت حاجز 40% والفقر قفز إلى ما فوق 39%، والأمر هنا لا يتعلق بالمقاومة وأدائها الذي يقع محل الفخر الشعبي الواضح بقدر النظر إلى سلوك حكومة «حماس» السابقة التي لا تزال كوادرها الإدارية تعمل وتصرّح في غزة.

دخول «حماس»
إلى السلطة كما خروجها منها أزّما الوضع المعيشي في غزة


ارتفعت شعبية
الحركة في الحرب،
لكن المخاوف من انخفاضها قائمة
فراح جزء كبير من المواطنين نحو اتهام «حماس» بأنها تمسكت بالمنصب على حساب مصالح الشعب، بدلالة أنها بقيت في الحكم ثماني سنوات دون اكتراث لواقع الناس، ولم تتنازل عنه إلا بعدما أحدق بها الخطر ولم تجد سبيلاً للحل، كما يقولون.
في تقويم تلك الحقبة، يقول المحلل السياسي، طلال عوكل، إن الأداء الحكومي أثّر في شعبية «حماس» كثيراً، إضافة إلى أن «ملف الانقسام بحد ذاته جر الكثير من الولايات على الشعب وحماس على وجه الخصوص»، لكنه رأى أن الحركة أدارت الحكم في ظروف صعبة وتحولات عربية، «كما تحملت وحدها المسؤولية ولم تستطع صنع شراكة مع الآخرين من غير فتح». ويضيف عوكل لـ«الأخبار»: «يجب أن يعلم من يرغب في الحكم أن قضايا الناس متعددة، وليس من السهل معالجتها، وخصوصا أمور الحياة كتوفير الكهرباء والماء وفتح المعابر».
وإن كان من دليل واضح على حجم السخط على الحركة من داخل جلبابها، فيمكن النظر إلى ما يقوله موظفو حكومة غزة الذين انضووا تحت لواء المؤسستين الأمنية والمدنية بإدارة «حماس» منذ ما بعد 2007. هؤلاء يذكرون، في أحاديث منفصلة لـ«الأخبار»، أنهم في الأصل عناصر ومؤيدون للحركة الإسلامية، لكن ثقتهم بقيادتهم تراجعت بعد عجزها عن إلزام رئيس السلطة، محمود عباس، دفْع رواتبهم، والأخير أعلن أكثر من مرة أنه يرفض التسليم بضم موظفي غزة البالغ عددهم 46 ألفاً إلى مؤسسات السلطة بحجة العبء الملقى على ميزانية الحكومة. حتى بعد الحرب، لا تشير حكومة «الوفاق» إلى أنها معنية بجدية باستيعاب الموظفين الذين عينتهم «حماس»، وفي أحسن الأحوال توضح محافل رسمية أن هناك إمكانية لقبول المدنيين من دون العسكريين.
ورغم حالة التردي المعيشي، فما يزيد قهر كثيرين من العاملين في غزة، وخاصة الحرف الصغيرة والمتوسطة، أن حكومة «حماس» استمرت في جباية الضرائب حتى من أصحاب الدخل المحدود، وإن كانت قد أوقفت ذلك في مراحل قصيرة سابقا. هنا ترى الأوساط السياسية أنه رغم إعلان الحركة قبولها التحدي بخوض الانتخابات، فإن هناك مخاوف من انتكاسة على أبواب صناديق الاقتراع التي ستفتح للرئاسة والمجلس التشريعي، وإن كانت الأصوات نفسها تلمّح إلى أن الحرب الأخيرة ستساعد «حماس» على تخطي هذا الهاجس، لكن إدارة ملف ما بعد الحرب قد يبعد الخيط عن رأس الإبرة مجددا.
المصادر الحركية نفسها عادت لتصرح بأن أحد أبرز الدوافع «وراء ذهاب حماس إلى إنهاء الانقسام والعودة إلى مربع المقاومة هو تراجع شعبية الحركة على المستوى المحلي»، مؤكدة أنها (حماس) تحاول الآن أن تحاكي تجربة حزب الله الذي يحتفظ بمقاعد في البرلمان اللبناني مع الإبقاء على بندقية المقاومة. وقد جاءت الحرب في السابع من تموز الماضي على غير رغبة «حماس»، كما تقول المصادر، لتبدل نظرة الناس تجاهها، وتغير مفاهيم كثيرة ارتبطت بتمسك مسؤولي «حماس» بالمناصب الحكومية على حساب المقاومة، ولا سيما بعد تشكيل فرق عسكرية تسمى «الضبط الميداني» كان هدفها قبل الحرب منع الفصائل والقوى من إطلاق الصواريخ على البلدات المحتلة عام 1948.
تستطرد تلك المصادر التي تحفظت على هوياتها: «لقد كنا نضطر إلى دفع نحو مليوني دولار شهرياً مرتبات للضبط الميداني الذي يحرس الحدود، وذلك تفادياً لمواجهة مباشرة مع الاحتلال في ذلك الوقت، لأننا كنا نعد أنفسنا للمعركة، وهذا ما أوصلنا إلى الجهوزية التي ظهرنا بها». وأضافت: «حماس عصية على الانكسار، بل هي تزداد قوة مع الوقت، لكن مراكمة شعبيتها لا تأتي إلا من أدائها على الأرض (الميدان)»، مقرة في الوقت عينه بأن الأداء الحكومي أثر سلبياً على شعبية «حماس» في مراحل عديدة.
وعمدت كتائب القسام، الذراع العسكرية لـ«حماس»، خلال الحرب إلى تعزيز النظرة المجتمعية نحو الحركة، ولا سيما أنها اتبعت سياسة إعلان المفاجآت ضمن سابقة في تاريخ الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، وصارت تحرق أوراقها شيئاً فشيئاً، ما عزز الالتفاف الشعبي منذ بداية الحرب حول المقاومة عموماً. كل ذلك، أسهم بصورة مباشرة في تحسين صورة «حماس» داخل تنظيمها بالتأكيد، ثم في الأوساط الشعبية لكن ليس على المدى القريب، ويظهر أن الحركة سعت بعد الحرب مباشرة إلى تصدير استطلاعات رأي عبر مراكزها، لكنه من الموضوعي تسليط الضوء على استطلاع رأي نشره المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية بدعم من مؤسسة «كونراد أديناور» في رام الله.
تضمن هذا الاستطلاع عيّنة بلغ عددها 1270 شخصاً في الضفة المحتلة وقطاع غزة ما بين 26 إلى 30 من الشهر الماضي، وأظهر أن 79% يعتقدون بأن «حماس» انتصرت، فيما تقول نسبة من 3% إن إسرائيل هي التي انتصرت، لكن نسبة 17% رأت أن الطرفين خرجا خاسرين. وكانت الغالبية العظمى (86%) تؤيد إطلاق صواريخ المقاومة من القطاع على إسرائيل. مع ذلك، هناك 57% يرفضون حل التنظيمات المسلحة في القطاع، فيما تؤيد نسبة من 25% هذا الإجراء بعد إنهاء الحصار وإجراء الانتخابات، كما تؤيد 13% الإجراء نفسه في حال السلام مع إسرائيل. كذلك يمكن الالتفات إلى أن نسبة التقويم الإيجابي ترتفع لرئيس السلطة محمود عباس إلى 49% في غزة، مقابل 33% في الضفة، لكنها تنخفض لخالد مشعل في القطاع إلى 70%، مقابل 83% في الضفة.
يعود المحلل عوكل ليوضح أن أداء المقاومة شكل رافعة لشعبيتها على المستوى المحلي، وكذلك عربياً ودولياً، مستدركاً: «عندما نزف كثير من الدم وزاد الدمار، تأثر الناس بالمآسي أكثر، لكن كل النسب لا تستقر على حال». وأضاف: «المشكلة أن المزاج الشعبي متقلب ولا يمكن التعويل عليه في صناديق الاقتراع لاحقاً، ومن المؤكد أن المجتمع الفلسطيني قلق والرأي العام متذبذب».
في المقابل، تبدو شعبية «حماس» على مستوى الضفة آخذة في ازدياد، وخاصة مع استمرار ممارسات السلطة تجاه المقاومة وتعثر عملية التسوية، مع تصاعد الاستيطان وحملات الجيش الإسرائيلي. وحتى في الوقت الذي كان يسجل فيه الغزيون اعتراضاً كبيراً على سياسات «حماس» الحكومية، كانت شعبية الحركة بخير في الضفة، بدلالة المسيرات التضامنية التي جابت مدن الضفة وهي تحمل الرايات الخضراء التي كان حتى وقت قريب محظوراً حملها ويخاف من فعل ذلك.
في المحصلة، ترى المصادر الحركية، التي تحدثت طويلاًً إلى «الأخبار»، أن صمود «حماس» في الحروب الثلاث منذ 2008 حتى 2014، فضلاً عن إنجاز صفقة «وفاء الأحرار» عام 2011، كانت «من أهم إنجازات حماس في المرحلة الماضية، ومن شأنها أن تعاظم شعبيتها».
والآن ما يضع «حماس» وتجربتها السابقة في محط الاختبار هو نجاحها في اجتياز أزمة ما بعد الحرب الأكبر من سابقتيها، إذ مضى أكثر من ثلاثة أسابيع على وقف النار، ولا تزال آثار الحرب والحصار قائمة حتى اللحظة، فيما الخلافات السياسية تنهش الجسد الفلسطيني المصاب بالنار الإسرائيلية.




«عباس» يهاجم «حماس» خوفاً من شعبيتها؟


قدرت وسائل إعلام إسرائيلية أن هجوم رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، على حركة «حماس» بعد انتهاء الحرب في غزة لا يدل بالضرورة على تحسن صورة عباس في الشارع الفلسطيني، أو يغير وجهة نظره تجاه الحركة، «بقدر ما يدل الهجوم على تغير موازين القوى داخل الشارع لمصلحة حماس بعد الحرب».
وقالت القناة العبرية السابعة، قبل أيام، إن «عباس كان يرى في موافقة حماس على دخول حكومة التوافق قبل الحرب ضعفاً من جانبها، فيما يخشى اليوم من تمكن الحركة من دخول الحكومة من موقع قوة بعد ارتفاع شعبيتها في الشارع خلال الحرب، وهو ما يمكنها من السيطرة على السلطة في الضفة أكثر من قدرة فتح على السيطرة على غزة». وشبهت القناة علاقة عباس بـ«حماس» بتلك العلاقة «بين قادة الدول العربية وتنظيم داعش، إذ يطالب الزعماء الغرب بضرب داعش، في حين تمتلك تلك الأنظمة خيرة الأسلحة ولا تقاتل عناصر هذا التنظيم خوفاً من التورط مع الشارع السني العربي».
(الأخبار)