رام الله | تعود بي الذاكرة الى مخيم الشابورة* في رفح جنوب غزة، في كل مرة يقدم لي أحدهم برتقالاً، فأنا لا أحبه أو ربما جدتي هي السبب في كرهي له، أتذكر الاشتباكات التي كنت أخوضها مع جدتي وإصراري على إقناعها بأن برتقال غزة بنفس جودة برتقال قريتها القبيبة قضاء الرملة التي هجرت منها عام 48، أقرب البرتقالة الى أنفها "كل برتقال فلسطين بيشبه بعضه يا ستي..هااا حتي شمي" أقول لها، تبعد البرتقالة بيدها "كل شي بالبلاد غير غير"، لا يعجبها اقتناعي بما أقول، القناعة والقبول ببرتقال غزة هي خيانة لقريتها، كان يحدث ذلك في كل موسم برتقال وكل شتاء.

فصل الشتاء في "الشابورة" لا يشبه أي مكان آخر ففي بيت جدي البرد "ينخر العظم" أشعر أنه بإمكاني أن أمسكه بيدي، الرطوبة تجتاح جدران البيت وتبدأ مهمتها السنوية في تقشير الطلاء عنه، أصوات قطرات المياه القادمة من أعلى سقف المنزل تنذر ببرد من نوع آخر، تتكئ جدتي على حائط بيتها في المخيم تتمتم محاولة كسر الملل واستفزاز جدي "خلينا نغرق يا محمود، يقطعها الشابورة اللي بتحبها"، أما جدي فتكاد تكون ردة فعله معدومة، فبعد أكثر من 66 عاماً على زواجه من جدتي أصبح الملل سيد الموقف، أذكر أنه قال لي ذات مرة متندراً "مش لو دشرتها (تركتها) في البلاد أحسن".
أما فصل الصيف فحدّث ولا حرج، في مخيم الشابورة أكاد أجزم أن درجة الحرارة تختلف عن باقي مدينة رفح، وكأن بيوت المخيم المسقوفة "بالزينكو" أي الصفيح تأخذ على عاتقها امتصاص جميع أشعة الشمس، أشعر وكأن الأسفلت يتعرق من شدة الحر، يمكنني أن أرى السيارات وهي مبتعدة وكأنها تذوب، في الصيف تزداد حدة المواجهات بين جدتي وجدي لأن البيت يصبح مثل "الفرن"، إذ يضم 4 غرف منها اثنتان أشبه بالساونا يحذر بعدم الدخول إليهما، وبيت جدي ليس الوحيد فهكذا حال بيوت المخيم الأخرى.
"هاد عمك بدوش يفهم أناا مش طاااالع..أغنيها؟"، كلما جاء عمي لزيارة بيت جدي يقول الديباجة المعهودة بأن يرحلوا من المخيم وينتقلوا الى بيت "ابن ناس" في مدينة غزة، أذكر في إحدى المرات حاولت إقناعه بالانتقال من المخيم، فحدق بي من دون أن ترمش عيناه أو تنحرف نظرته لثانية عني وهو يقول "اطلع؟ وين؟ ع غزة؟ طيب والمخيم؟" وصمت هو وبيته وأنا.
لا يزال المخيم يعطي ساكنيه الشعور بعدم الاستقرار، يطمئنهم بفكرة العيش المؤقت فيه، ومجرد التفكير بالانتقال الى غزة فإن دفعة الأمل بالعودة والحياة المؤقتة التي يعيشونها بالمخيم ستختفي.
قال لي جدي ذات يوم إنه ذهب لرؤية القبيبة قريته التي تقع في قضاء الرملة. لديه نبرة خاصة أميزها عند حديثه عن قريته وأستطيع أن أتنبأ بأنه سيتحدث عنها بمجرد الحديث بهذه النبرة، "شفت الرملة أنا يا سيدي وشفت القبيبة، مش ممكن أتوه عنها لو بنو عمارات فوقها أنا عارفها وعارف دارنا، رحت عليها، ودبكت فوق التراب محل ما دفنت أنا وأبوي قهوتنا وكانت موجودة تحت التراب ما شالوها"، كان لدى جدي ووالده مقهى صغير قاموا بحفر حفرة كبيرة ودفنوا كل متعلقات المقهى فيها قبل أن يهجّروا من القرية.
لا أعلم إذا كان المقهى المدفون باق حتى اليوم أم أن جرافات الاحتلال أزعجها صوت ضحكات من كانوا يجلسون به وقررت اقتلاعه، ولكنني على يقين تام أن قريته ذاتها هي من دلت نفسها على جدي.
لا يحب جدي ذكر ما حدث له أثناء التهجير، وكلما هممت بسؤاله عنها كان يرد "بحبش (لا أحب) اتذكر بحبش"، فأتبع سؤالي بطلب آخر "طيب حدثني عن الوضع قبل النكبة"، فيبتسم ويعدل طاقيته الصوف التي يلبسها بجميع الفصول، ويبتسم وتتساقط منه الكلمات ويبدأ بالحديث عن مغامراته والمبالغة فيها.
وعلى الرغم من تشابه المخيمات إلا أن كلاً منا يحتفظ بتفاصيل عن مخيمه، وعن هذه الفقاعة الصغيرة الملئية بالذكريات، في المخيم شوارع مهملة، وخدمات عامة تكاد تكون معدومة، وأزقة ضيقة لا تتسع إلا لشخص واحد، زيارات اجتماعية من دون مواعيد، بيوت فقيرة ودافئة أبوابها قلوب مشرعة على الدوام لمن أراد أن يلقي السلام.
ولكي يقال إنك ابن مخيم أصيل يتوجب عليك تعلم بعض "المهارات" كالتعلق بعربة الغاز أو الماء وهي تسير، ومطاردة بائع الحلوى وخاصة غزل البنات ومعرفة جميع أسماء ساكني المخيم وبلداتهم الأصلية التي هجروا منها عام 48، وبالطبع تعلم كيفية المشي حافياً بشوارع المخيم غير المرصوفة من دون الشعور بأي ألم.
أذكر عندما كنت صغيرة كانت تنتابني الغيرة من أطفال المخيم: كيف لهم أن يمشوا ويركضوا حفاة وكأن أقدامهم محدية؟ سألت أحدهم أن يعلمني المشي حافية، قال لي: "حاولي ألا تلمس قدمك الأرض وكأنك تمشين على رؤوس أصابعك دون ترك أثر، تماماً كاستعدادك للطيران، ولا تنظري الى الارض ولا تراقبي خطواتك، وبعد أيام من المشي حافية سترين بطن قدمك كيف أصبحت صلبة".
في المخيم قررت أقدامهم التواطؤ مع قلوبهم فلا القلب ولا القدم مستقران هنا، أما في القبيبة فهناك حيث تُرك البيت والقلب تجد آثار القدم الكاملة.

*أحد مخيمات اللاجئين ويقع في قلب مدينة رفح جنوب قطاع غزة، ويعتبر القسم الشمالي من مخيم رفح، بني في بداية الخمسينيات، ويقيم في المخيم أكثر من 40 ألف نسمة على مساحة لا تتعدى 15 كيلو متر مربع، ومعنى الشابورة هي "المنطقة المتبقية من قطعة الأرض".