انتظر الصحافيون منذ سنوات هجوماً أميركياً «بطولياً» لإسقاط نظام بشار الأسد و«تحرير الشعب السوري» (كما العراقي والليبي قبله) فجاءت الضربة مفاجئة وضد... أقوى أعداء الأسد!

الصحافيون الأميركيون ليسوا مسرورين بل قلقون: أولاً، من جدوى الضربات الجوية التي «لن تنفع من دون تدخل برّي»، خصوصاً أن «التجربة الأخيرة في العراق لم تحقق نتائج مبهرة حتى الساعة»، وثانياً، من فشل الجزء الثاني من الخطة بسبب غياب المعارضة المعتدلة التي يجب أن تستكمل ما بدأه أوباما للتو، وثالثاً والأهمّ، القلق من استفادة الأسد على المدى القريب من تلك الحملة الجوية الأميركية.

مجموعة الهواجس تلك عبّرت عنها صحيفة «ذي نيويورك تايمز» التي لطالما أيّدت ودعت الى شنّ هجوم عسكري على سوريا، لكن بهدف إسقاط الأسد. الصحيفة أفردت افتتاحيتين تحت عنوان عريض واحد: «التحوّل الخاطئ في سوريا». في الافتتاحية الأولى بعنوان: «لا خطّة مقنعة»، انتقدت الصحيفة عدم رجوع أوباما الى «ممثلي الشعب الأميركي» وعدم طلبه موافقة الكونغرس قبل شنّ تلك الضربات. «وضع أوباما الولايات المتحدة للتوّ وسط حرب آخذة بالتوسّع». لامت «تايمز» الرئيس وهي التي لم تتردد في دعوته سابقاً لشنّ ضربات عسكرية على سوريا (!). «كيف يتأكد الشعب الأميركي من أن لديه المعلومات الكافية ليحكم على صوابية أفعاله (أوباما)؟»، سألت الصحيفة، السؤال الجوهري الذي لم تسأله عام ٢٠٠٣ قبيل غزو العراق. صورة حرب أوباما «ليست كاملة» والشعب «لم يُسأل أو يناقش» في الأمر، وأوباما لا يملك خطّة متماسكة... لذلك كلّه قررت «تايمز» أن «قرار ضرب (داعش) في سوريا هو قرار سيّئ».
الصفعة الاخرى التي وجهتها «ذي نيويورك تايمز» لأوباما جاءت في افتتاحيتها الثانية، تحت عنوان «التحوّل الخاطئ في سوريا: مساعدة الأسد؟»، وفيها تركيز على «المستفيد الأكبر من الضربات الأميركية» وهو الرئيس السوري. «لا شكّ في أن الأسد سيستفيد من تلك الضربات على المدى القريب»... «وتلك هي النتيجة الاكثر خطورة والمقلقة أخلاقياً» لقرار أوباما مهاجمة «داعش» في سوريا. كذلك لفتت الصحيفة الى عدم جدوى حملة أوباما من حيث ردّ الفعل المرتقب لـ«داعش» و«خورسان» وزيادة أعداد المعادين لأميركا من السنّة الذين سيلجؤون الى تلك التنظيمات، ما فتح الباب أمام حرب طويلة الأمد.
تفصيل امتداد الحرب زمنياً برز في مقالة دايفد إغناتيوس في «ذي واشنطن بوست» الذي عرض لمراحل خطة أوباما ولفت الى أن الأهمّ يبقى في «كيفية تنفيذ تلك الخطة بمراحلها المختلفة». إغناتيوس رأى أن «ضرب قيادة (داعش) فقط سيخلق ساحة معركة تعتريها الفوضى وستبقى غير مستقرة لسنوات عديدة». وذكّر الصحافي بما قاله أوباما نفسه عن أن الحملة «ستحتاج الى وقت»، وعلّق بالقول «ذلك يعني الى ما بعد انتهاء ولايته بالتأكيد». «ذي واشنطن بوست» نشرت أيضاً مقالاً يبحث في شرعية استخدام أوباما «حقّ استخدام القوّة الضرورية والمناسبة» من دون الرجوع الى الكونغرس، وهو حق يضمنه قرار صادر عن الكونغرس بعد هجمات ١١ أيلول ٢٠٠١. صحيفة «ذي لوس أنجلس تايمز» من جهتها وصفت قرار أوباما بـ«الخطوة الشجاعة»، لكنها أبدت قلقاً على الجزء التالي من خطته، أي من التعويل على «حلفاء واشنطن في سوريا». ونقلت الصحيفة عن بيان حركة «حزم» مثلاً رفضها لـ«التدخل الخارجي» واعتباره «اعتداءً على الثورة»، علماً بأن «حزم» «تتلقى تدريباً وصواريخ من واشنطن». مقال «لوس أنجلس تايمز» حذر أيضاً من تكرار التجربة العراقية، حيث إنه «لم تسجّل مكاسب ميدانية كبيرة ضد داعش بعد ستّة أسابيع من القصف وحوالى ٢٠٠ ضربة جوية». أما حول التحالف العربي ضد الإرهاب، فقد أثار ذلك دهشة البعض وإعجاباً حذراً لدى البعض الآخر. «ذي واشنطن بوست» كشفت في مقال عن أنه كان لدى القادة العرب «رغبة قوية لاستخدام القوة ضد المتطرفين بقيادة واشنطن». «كانوا يترجّون الولايات المتحدة لتتخذ هذا الدور القيادي»، نقلت «بوست» عن أحد المسؤولين في معهد «بروكينغر».
لكن فريدريك ويري في معهد «كارنغي» لفت الى «حدود» مشاركة دول الخليج في الحملة على المتطرفين و«أثمانها» داخلياً وإقليمياً. ويري ذكّر بأن هناك تيارات واسعة داخل دول الخليج، وخصوصاً في السعودية، لا تؤيّد ضرب الولايات المتحدة لتنظيم «داعش»، إضافة الى وجود اقتناع بأن ذلك «سيعود بالفائدة على الأسد». تقرير «كارنيغي» حذّر أيضاً واشنطن من الدخول في الصراعات بين القوى السنية في ما بينها، وحيث «ستستخدم الدول العربية الحملة الأميركية ضد الارهاب لتحقيق أهداف سياسية ذاتية».