ريف حلب | ينظر أهالي حلب إلى المعارك الدائرة في الريف الشمالي بعين الترقب، آملين حدوث تأثيرات إيجابية على المستويين الخدمي والإنساني، ضمن أحياء المدينة التي تعيش معاناة استثنائية. كذلك، يواصل الجيش قضم قرى وبلدات الريف الشمالي والشرقي الحلبيين، في محاولة لإحكام الطوق حول المدينة وعزل مسلحيها عن بعضهم بعضا وقطع خطوط إمدادهم. التقدم في الشرق على جبهة محيط مطار كويرس، تتوّج بالسيطرة على قرية برلهين التي تبعد 8 كلم عن المدينة الصناعية في حلب، والواقعة تحت سيطرة تنظيم «داعش»، فيما استعاد الجيش السوري السيطرة على قرية طعانة، التي كان قد خسرها في وقت سابق.

بدورها، سيطرت «وحدات حماية الشعب» الكردية على قرية العلقمية، المجاورة لأوتوستراد اعزاز، غربي مطار منغ، وإلى الشمال من بلدة نبل، فيما تتواصل المعارك بين المسلحين والقوات الكردية للسيطرة على قرية الطامورة، جنوب الزهراء، بعدما سيطر الأكراد على جزء من القرية، بالتقدم نحو المقالع والسيطرة على تلة الفيران.
سقوط ماير، إلى الشرق من بلدة نبل، أول من أمس، مثّل نقطة تحوّل واضحة غيّرت الواقع على الأرض، أسوةً بتغيّر خريطة المنطقة، باعتبار البلدة مفصلاً هاماً في معركة قطع أتوستراد حلب - اعزاز الواصل إلى الحدود التركية. معارك السيطرة على البلدة لم تكن عنيفة كما كان متوقعاً، إذ دخلت القوات السورية إلى ماير الفارغة من مسلحيها المنسحبين نحو كفين، شمالاً. أحد المقاتلين على جبهة ماير، يروي عن المعركة دخول القوات السورية وحلفائها دون أي مقاومة تُذكر، بعد هرب المسلحين نحو كفين، ساخراً من الأمر بقوله: «ليت كل زملائهم يقتدون بهم، موفّرين علينا وعليهم العناء». كفّين الهدف التالي لماير، التي تمكّن الجيش من دخولها، أمس، وتواصل وحداته تمشيط أحيائها، على الرغم من الأحوال الجوية الصعبة، والتي عرقلت إعلان السيطرة عليها، حتى ساعة متأخرة من ليل أمس.

العربات المدرّعة انشغلت بسحب السيارات العالقة في الأوحال


الطرق الترابية... وسوء لأحوال الجوية


الأمطار المتساقطة بغزارة على ريف حلب، حوّلت الطرق الترابية التي شقّتها آليات الجيش للوصول إلى بلدتي نبل والزهراء إلى مستنقعات طينية، عرقلت السيارات العابرة إلى المنطقة. العربات المدرّعة انشغلت بسحب السيارات العالقة في أوحال الأراضي الزراعية. التقدم الجديد للجيش حوّل ماير من أرض معادية إلى ملاذ للعابرين الهاربين من خطر الغرق في الطرق الترابية المبللة، فعاد الطريق النظامي الذي يمر عبرها، باتجاه حردتنين ومعرسته الخان إلى العمل، مع تحذيرات من انكشاف بعض أجزائه أمام القنص، والخوف من الاستهداف بالهاون والصواريخ الموجهة. وعلى طول الطريق يظهر الجنود السوريون وقد التجأوا إلى الاحتماء من سوء الأحوال الجوية، بأسقف بقايا البيوت الحجرية الريفية المتهالكة، بانتظار أوامر التحرك بين منطقة وأُخرى، فيما تنكشف أراض زراعية شاسعة، خلت من أشجارها، بعد لجوء أهالي المناطق المجاورة إلى الاحتطاب، درءاً لبرد شتاء الحرب المتعاقبة. «الطريق الذي فك الحصار عن بلدتي نبل والزهراء لم يكن سوى طريق عسكري مؤقت»، تقول مصادر ميدانية. وتتابع: «سقوط ماير هو الذي أمّن الطريق النظامي لدخول وخروج الجيش والمدنيين من وإلى المنطقة. وهكذا جرت الأمور بحسب الخطة الموضوعة خلال جدول زمني جرى تحديده مسبقاً».
ووسط الحديث عن طلب عشائر من بلدة دير جمال، الواقعة إلى الشمال من ماير، التسوية مع الجيش السوري، خوفاً من عنف المواجهة ضمن خط البلدات المتساقطة أمام قواته المتقدمة، أكدت المعلومات الواردة من حريتان وعندان وحيان، إلى الجنوب من بلدة الزهراء، رفض أي تسوية.
ما يجعل بيانون هدف الجيش الحالي، الذي يخفف من أخطار الطرق المفتوحة نحو نبل والزهراء، ويحد من الاستهداف المتواصل عبر جرار الغاز وقذائف الهاون المستمرة على المنطقة، بدءاً من رتيان المحررة، أخيراً، وصولاً إلى بلدتي نبل والزهراء.
دور اللجان الشعبية المدافعة عن بلدتي نبل والزهراء لم يتوقف خلال المعارك الحالية الهادفة إلى توسيع الطوق بين مناطق الريف الحلبي، بل يشكل عناصر اللجان حاجزاً يصعب اختراقه أمام مسلحي بيانون، فيما يدعم سلاح الجو والمدفعية السورية مقاتلي نبل والزهراء في قصف مراكز المسلحين في البلدة القريبة.
يأتي ذلك بالتزامن مع نداءات لتوحيد صفوف المسلحين، لمواجهة الجيش السوري المتقدم في ريف حلب، إذ أصدر لواء اليرموك، أحد فصائل الجيش الحر، بياناً أكد فيه على «ضرورة اتحاد القوى الثورية والعسكرية»، في وجه ما سماها «الأزمات والانتكاسات الأخيرة التي عصفت بحلب وريفها». وفي السياق ذاته، أعلنت «المحكمة الشرعية» في حلب، و«الشرطة الحرة»، و»المجلس المحلي» التابع للمسلحين، بين بيان مشترك عن اتخاذ إجراءات للمحافظة على مخزون المدينة من المواد الغذائية والمحروقات، محذّرين من احتكار السلع الغذائية ورفع أثمانها، استغلالاً للأحداث التي يشهدها الريف الشمالي. من جهتها نفت «نفت غرفة عمليات فتح حلب» عقد أي هدنة مع تنظيم «داعش» في ريف حلب الشمالي، بعد الحديث عن إمكان عقد مثل هذه الهدنة لواجهة تقدم الجيش، وحلفائه، واصفة التنظيم بـ«الإرهابي».