صنعاء | يؤكد الواقع الميداني في اليمن أن توقيع ممثلي جماعة «أنصار الله» (الحوثيون) على الملحق الأمني والعسكري لاتفاق «السلم والشراكة الوطنية»، لا يمكنه أن يؤثر على قوتهم الصاعدة في ظلّ استمرار سيطرتهم على المقار الحكومية، فيما تستعد الجماعة لحشد قوتها في محافظتي مأرب والبيضاء لقتال عناصر من «القاعدة».


ووافق الحوثيون المنتشرون في المقار الحكومية والعسكرية على الاتفاق الأمني بعد تمنّع دام أسبوعاً. وينصّ الملحق على إيقاف أعمال العنف في صنعاء ومحيطها ومحافظات عمران والجوف ومأرب، وسحب المسلحين منها، وتمكين الدولة من بسط نفوذها على أراضيها، مع تشكيل لجنة مشتركة لتطبيع الأوضاع في هذه المناطق، كذلك، ينص على وضع آلية لنزع السلاح واستعادة الأسلحة الثقيلة والمتوسطة التي نُهبت أو جرى الاستيلاء عليها من الدولة.
ويقول القيادي في المكتب السياسي للجماعة محمد البخيتي لـ«الأخبار» من غير المعلوم حتى الآن ما إذا جرى الاتفاق على جدول زمني لتنفيذ بنود الاتفاق، وخصوصاً في ما يتعلق بسحب مسلحي الجماعة من صنعاء ومن المناطق المحيطة، مشيراً إلى أن ذلك قد يكون رهناً بعودة الحياة للأجهزة الأمنية والعسكرية التي انهارت بصورةٍ مفاجئة مع سيطرة الحوثيين على صنعاء.
البعض رأى أن توقيع الحوثيين على الملحق الأمني ليس أكثر من «تحصيل حاصل» وخصوصاً بعد تحقيق الجماعة للأهداف الأمنية والعسكرية والسياسية التي حدّدوها قبل إسقاط صنعاء، وآخرها كان إطلاق المعتقلين على خلفية قضية تهريب الأسلحة الإيرانية إلى اليمن، المعروفة إعلامياً باسم «قضية السفينة جيهان».
كذلك، فإن توقيع الاتفاق جاء بعد استكمال سيطرة الحوثيين على مقرّ هيئة الأركان العامة ووضع اليد على الوثائق المتعلقة بإدارة القطاعات العسكرية، وقيامهم بتشكيل لجنة عسكرية وأمنية للتواصل مع قادة الجيش اليمني والتنسيق معهم حول الحفاظ على الحالة الأمنية والعسكرية والتنسيق مع الحوثيين.
قد يكون قبول الجماعة بتوقيع الاتفاقية يأتي انسجاماً مع خطاب زعيمها عبد الملك الحوثي الذي حدد ميدان المعركة المقبلة في «خطاب النصر» الذي ألقاء يوم 23 أيلول، عندما قال إن «المعركة ستنتقل في الأيام المقبلة إلى محافظتي البيضاء ومأرب بسبب مؤامرة لتسليم معسكرات الجيش هناك إلى عناصر تنظيم القاعدة». في هذا السياق، تضمّن الملحق الأمني فقرة تنص على قيام الدولة بواجبها في حماية المواطنين في البيضاء. وبالتالي يدرك الحوثيون أن المعركة هناك بحاجة إلى مبرر لوجودهم في تلك المنطقة البعيدة عن مركز قوتهم، والتي تشهد نشاطاً كبيراً ومتصاعداً لمسلحي تنظيم «القاعدة» وتنامياً لمعسكراته، في ظلّ تهديده بخوض حرب ضروسٍ لقتال مسلحي الحوثيين.
ورغم سيطرة الحوثيين التامة على صنعاء، يبدو أنهم لا يزالون يرمون إلى السيطرة على هدفٍ يستميت الرئيس عبد ربه منصور هادي في الحفاظ عليه، وهو جهاز الأمن القومي. ويقع الجهاز ورئيسه تحت مرمى نيران الحوثيين منذ أكثر من أسبوع، كما وصل التأزم بينهما إلى تبادل الاتهامات بخرق الاتفاق والهجوم على منزل رئيس جهاز الأمن القومي ومحاولة الاستيلاء عليه للمرة الثانية، خلال أقل من أربعة أيام، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى من الطرفين.
سياسياً، على الرغم من انتهاء المهلة لتسمية مرشح لرئاسة الحكومة قبل أربعة أيام، وفق ما نصّ عليه اتفاق «الشراكة»، لم يتمكن هادي من اختيار اسم لهذا المنصب، بسبب تعثر المشاورات واعتراض الجهات المختلفة على معظم المرشحين.
عدم قدرة الرئيس ومستشاريه على اختيار شخصية لرئاسة الحكومة يعدّ مؤشراً واضحاً على حجم الصراع والانقسام وعدم الثقة، بين المكونات السياسية المحيطة به بعدما سُلب معظم صلاحياته بموجب الاتفاق السياسي الأخير، حيث اشترطت الأطراف الموقعة التوافق بين المكونات السياسية كافة.
ويبدو الرئيس هادي في معركته مع الحوثيين الطرف الأضعف، وخصوصاً بعد سيطرتهم على المقار الرسمية في العاصمة. وهو ما جعل الحكم بيد هادي والسلطة الفعلية بأيدي الحوثيين. وفي مواجهة العجز الداخلي، يسعى الرئيس إلى التعويض عبر استجداء الدعم الخارجي وطلب الإسناد الدولي له، علّ ذلك يمنحه شيئاً من نقاط القوة التي تلاشت خلال العامين الماضيين.
في هذا الصدد، هدّدت الولايات المتحدة الأميركية بفرض عقوبات على الحوثيين، في حال استمرار الأزمة مع الحكومة. وقد أدانت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية جين بساكي، أول من أمس، أعمال العنف في صنعاء، داعيةً الجماعة إلى تسليم جميع الأسلحة التي سيطرت عليها إلى الدولة.
وفي السياق نفسه، حذرت الرياض من العنف الذي «يهدد الأمن الدولي»، داعيةً إلى إجراء سريع للتعامل مع انعدام الاستقرار في اليمن. وكان وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل قد أشار خلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلى أن عدم تنفيذ الملحق الأمني يبدد الآمال بالوصول إلى نهاية الأزمة في اليمن، قائلاً إن «التحديات غير المسبوقة» تستدعي «منا جميعاً» اقتراح الحلول اللازمة لمواجهتها.