يسقط الجميع اليوم في خديعة اختزال الأزمات بين سوريا والعراق بتمدد تنظيم «داعش» وتدميره لمفهوم الحدود بين الدولتين، إضافة إلى ما يوصف بتهديد الأمن الإقليمي والعالمي. وفي ظل الحديث عن مخاطر كهذه، ومعايشتها، قد يصبح من الصعب فعلياً رفض مبدأ الحرب المزعومة.


وترافق الحديث عن المخاطر مع صناعة المشهد الإعلامي الممهد لإطلاق الحرب، الذي غالباً ما كان مركزاً على ما وصف بدوافع الحرب المباشرة، كأفعال ذبح مواطنين غربيين أو بدء الحديث الإعلامي المكثف عن جماعة مجهولة باتت قاب قوسين أو أدنى من تنفيذ هجمات في الدول الغربية. أيضاً سبق ذلك إلقاء الضوء بشكل كبير على تهديد «داعش» للمجتمعات المحلية والتلاعب بتوزعها جغرافياً، الأمر الذي حدث في شمال العراق ورفع الصوت بأن التنظيم المتطرف يهدد وجود ما يوصف زوراً بـ«الأقليات».
الأهم من كل ذلك، وقع أول من أمس، عندما خرج الرئيس الأميركي باراك أوباما، وهو رئيس الدولة القائدة للتحالف الدولي المستجد، مبرراً انتقال الحرب لتشمل سوريا بالقول إن بلاده أساءت تقدير الخطر الذي يمثله تنظيم «داعش» في سوريا، مكرراً ما قاله رئيس أجهزة الاستخبارات الأميركية، جيم كلابر قبل أيام.
مجمل التهويل الحاصل يأخذ الشارع العربي إلى انقسامات بشأن حرب غير واضحة المعالم حتى يومنا ولا يمكن البناء على ما تعلنه أطرافها من أهداف طويلة الأمد. لكن عموماً، يدفع ذلك إلى إعادة طرح أسئلة حول مسار تنامي التدهور الأمني، تحديداً في العراق، على اعتبار أنه شكل الأرضية للتدخل الأول ضمن الحرب المستجدة.
في الحالة العراقية، فإن تنظيماً كـ«داعش» كان موجوداً على الأرض قبل بداية الصراع الحالي بوقت طويل نسبياً. فبشأن مدينة الموصل، كان خطر التنظيم وغيره يتهددها، وكان موجوداً بشكل مؤثر في محيطها قبل التاسع من حزيران الماضي بأشهر. وفعلياً، شكلت أعمال التجارة المموهة والسرقات وفرض الخوة مصدراً رئيسياً في تمويل هذا التنظيم. حتى إن السجون في تلك المناطق شكلت هدفاً دورياً لتلك التنظيمات، على اعتبار أنها تشكل خزاناً بشرياً يمدّ صفوفها.
التدهور الأمني في الموصل لم ينشأ من عدم، فهي واقعة في قلب محافظة نينوى المحاذية للحدود السورية، والتي يمر ضمن أراضيها أنبوب تصدير النفط الرئيسي الممتد إلى تركيا، وبالتالي تشكل موقعاً استراتيجياً مهماً. يضاف إلى ذلك، أن تلك المنطقة واقعة ضمن المحافظات الغربية التي عرفت في العامين الأخيرين خللاً أمنياً بفعل خروج عشائر واسعة على سلطة الحكومة، لأسباب سياسية.
وتنسحب الهشاشة الأمنية في نينوى على محافظة الأنبار جنوباً، وتتشارك المحافظتان بمحاذاتهما للحدود السورية، إلى مسافة تصل إلى نحو 600 كلم. وكان مجمل العراق مهدداً من البيئة الاستراتيجية الهشة التي كانت تحيط به نتيجة تأزم الأوضاع في سوريا، ومن هنا كانت محافظتا الأنبار ونينوى أكثر المناطق العراقية خطورة. وساعد في ذلك دخول التنظيمات المتطرفة في بعض من النسيج الاجتماعي لتلك النواحي، مستفيدة من الصراع السياسي الذي كان بين حكومة بغداد ومجالس المحافظات الغربية، ومستندة إلى دعم سعودي وقطري وحتى تركي غير مسبوق. ولطالما كان رئيس الوزراء العراقي السابق، نوري المالكي، يوجه أصابع الاتهام إلى الدولتين الخليجيتين، مبدياً اعتقاده أنهما «تغذيان الإرهاب» في بلاده.
التهويل الإعلامي الذي سجل إبان سقوط الموصل وما تبع ذلك من سقوط لعدد كبير من المدن والنواحي الواقعة على ضفاف نهر دجلة، لم يكن ليجد صدى لدى المتابعين الميدانيين للوقائع العراقية اليومية. فقد كان العراقيون يواجهون بشكل مستمر تحديات أمنية عند الخط الممتد من بغداد جنوباً مروراً بمدن كتكريت وصولاً إلى الموصل شمالاً، وما يحاذيهما.
وفي الأسابيع الأولى للسقوط الأمني في وسط البلاد وغربها، ترافق ذلك مع تطور مهم، تمثل بتصاعد الحديث عن تهديد الحدود السعودية والأردنية، لتبدأ الإشارة إلى الخطر الإقليمي الناتج، فاختلطت الأوراق بشكل أكثر تعقيداً، في وقت الحدود مع السعودية والأردن لم تكن يوماً مؤمنة بشكل تام والعشائر المنتشرة في تلك المناطق لطالما لعب التودد إليها دوراً في إحكام السيطرة على تلك الحدود.
ويمكن الوقوف على التهويل الإعلامي الضخم الذي حصل استناداً إلى ما جرى في شرق البلاد أيضاً، وتحديداً في المناطق المحيطة بجبال حمرين. شكلت سلسلة الجبال تلك، ولما تزل، ملاذاً للقوى المتطرفة، نظراً إلى صعوبة التحرك ضمنها، وقد شكلت أيضاً رافداً لعمليات هددت مراكز مثقلة برمزيتها الدينية، مثل مدينة سامراء (التي شهدت آخر هجوم قبل سقوط الموصل في التاسع من حزيران).
كذلك، كان سقوط المناطق المتنازع عليها بين بغداد وإقليم كردستان بيد «داعش» وغيره سهلاً، نظراً إلى صعوبة تنسيق التحرك العسكري ضمنها. وللإشارة، فقد انتهى الهجوم على مناطق مثل تلك بخروج «البشمركة» عن حدود وجودها وتوسع نطاق عملها ليشمل كركوك وخانقين وغيرهما من المناطق، المحاذية للحدود الإيرانية.
مع نهاية شهر حزيران كانت العاصمة بغداد كأنها محاصرة فعلياً، نظراً إلى انتشار التنظيمات المتطرفة في الوسط والغرب والشرق، وكان الخوف فعلياً من هجوم وشيك عليها، الأمر الذي لم يحصل بفعل عدد من المعطيات.
تلك الوقائع أنتجت مشهداً خطراً عززته عناصر التلاعب الديموغرافي الذي قام به «داعش» في شمال البلاد، عبر تهجير ما يوصف زوراً بـ«الأقليات» وجرت بالتالي تهيئة المناخ لحرب سريعة ضد «داعش» الذي للمفارقة لم يكن الوحيد في الهجوم على الموصل، بل شاركته قوى أخرى كما هو معروف. وجدير بالذكر أن مجمل ما تم تقديمه دفع بروايات تقول إن ما جرى في التاسع من حزيران كان مُعدّاً منذ صيف عام 2013 ليتوازى مع الهجوم المفترض في حينه ضد النظام السوري، ليسقط البلدان وسط مشهد إقليمي جديد.
على صعيد متصل، وإلى جانب الدوافع الأمنية والعسكرية التي تتذرع بها أطراف «التحالف الدولي»، تأخذ اليوم الدول المنضوية تحت لوائه ركيزة أخرى تبرر من خلالها حربها: فشل صيغة الحكم. فعلياً، شكلت حكومة الرئيس نوري المالكي وجهة مجمل تلك الهجمات في العراق، وارتكزت الهجمات على نقطتين: تهميش العرب السنّة والمشاكل المتنامية مع الأكراد، الطرفان اللذان أراد الاحتلال الأميركي خلال فترة وجوده في بلاد الرافدين أن يشكلا مع الشيعة ثلاثية الحكم عبر توزيع المناصب عليهم.
اللافت مثلاً أن تلك الصيغة، ومن دون الحديث عن الإشكاليات التي تطرحها شخصيات مثل أسامة النجيفي وأخيه محافظ نينوى السابق أثيل أو حتى الحديث عن أزمات وتصورات تيارات في «التحالف الوطني»، يقول عنها مسرور البرزاني، وهو نجل رئيس إقليم كردستان مسعود البرزاني، في كلام نقله عنه حديثاً الصحافي في مجلة «نيويوركر» الأميركية، ديكستر فيلكينز، إن «العراق موجود فقط في عقول أشخاص في البيت الأبيض»، مضيفاً «نريد قوانيننا الخاصة، وقواعدنا الخاصة، ووطننا الخاص، وسنحصل عليها».
وفي حين أن قارئ الدستور العراقي، المعتمد إبان فترة الاحتلال، يوقن أنه لا يمكن أن تحكم البلاد عبره، إلا أن التركيز على الأزمة السياسية شكل أداة لعودة التدخل بشكل سافر في الشأن العراقي، وممهداً لعودة أوجه الاحتلال. تلك الأداة شكلت بدورها إلى جانب السقوط الأمني والعسكري في العراق رافعتي عودة التدخل العسكري المباشر.
التلاعب الأميركي ـ الإقليمي بمصير العراق والعراقيين جاء في ظل وقوع العراق في كماشة التنظيمات المتطرفة. وكان الشرط الأميركي، وشرط القوى الإقليمية، أن التدخل العسكري لن يتم من دون تعديل سياسي كبير في البلاد، ينسحب على إعادة صياغة نظام الحكم، في مشهد أتى، للإشارة، بعد أسابيع على إتمام الانتخابات العراقية ونجاح قوى غير مرغوب فيها غربياً. حتى الرئيس الأميركي باراك أوباما كان صريحاً في مقابلة أجراها مع الصحافي توماس فريدمان، في شهر آب الماضي، حين أوضح أنه لن يدفع بأميركا نحو تدخّل أوسع نطاقاً في أماكن مثل الشرق الأوسط إلا إذا وافقت الجماعات المختلفة هناك على سياسة لا غالب ولا مغلوب التي تقوم على إشراك مختلف الأفرقاء، مضيفاً أنه «لن تكون الولايات المتحدة القوة الجوية لشيعة العراق أو أي فصيل آخر»، وفق ما نقله فريدمان.
ومن هنا جاء الضغط لتغيير شخصية نوري المالكي بأخرى، تمثلت لاحقاً برئيس الوزراء الحالي حيدر العبادي. وفعلاً، بدأت الضربات الأميركية حال تغيير الحكومة، وبدأ الحديث عن «الحرس الوطني» في العراق، وبدأت مواجهة «داعش» تأخذ منحاً آخر، فيما جدير بالذكر أن المفارقة تكمن في أن عودة الحديث عن استمرار سياسات «تهميش العرب السنّة» برزت في وسائل الإعلام الأميركية قبل ساعات فقط من بداية الهجوم على سوريا.
الحديث المتواصل، المحق في بعض وجوهه، عن «تهميش العرب السنّة» لا تتبناه الدول الغربية والإقليمية وحدها. حتى إن باحثاً فرنسياً مثل فرانسوا بورغا يقول، يوم أمس في حوار أجرته معه وكالة «الأناضول» التركية، إنّ «انبعاث وتجدّد المدّ الجهادي من تنظيم القاعدة إلى الدولة الإسلامية في العراق والشام، مروراً بتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي وجماعة أنصار الدين (الشريعة)، إضافة إلى الجماعة الإسلامية المقاتلة، يشكّل خلاصة للإقصاء التاريخي للمثلّث السنّي المضطهد من العراق وسوريا والعالم، فكان أن تحوّل إلى ضحية كنتاج لفشل ثلاثي» (وفقاً لترجمة الوكالة).
الخطير اليوم أن ما قام به «داعش» في العراق من تهجير وإعادة صياغة توزع المجتمعات، تقوم به القوى الإقليمية، تركيا تحديداً، في الشمال السوري. من لا يجد ذلك، فليقرأ ما يراد من الطلب التركي المبطن بشأن إقامة منطقة عازلة، أو آمنة، في الشمال السوري بعد هجوم «داعش» على المناطق الكردية، على أن لا تُغفل الجملة المفصلية المرتبطة التي قالها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، قبل يومين، عندما توجه إلى المجتمع الدولي قائلاً: «أيها العالم، عندما تبرز منظمة إرهابية على غرار «داعش» تنتفض، لكن لماذا لا تنتفض حيال منظمة إرهابية مثل بي كا كا؟ لماذا لا نسمع صوتك إزاءها؟ ولماذا لا تقول تعال نواجهها بشكل مشترك؟».