استناداً إلى إحصائيات «البنك الدولي»، فإن 54% من اليد العاملة، في تونس، تنشط في الاقتصاد الموازي والمجالات المرتبطة به. ويتركّز هذا النشاط، بالخصوص، في مؤسسات متناهية الصغر، يقدّر عددها بحوالى 524 ألف مؤسسة، وتمثّل 35% من النسيج المؤسساتي التونسي.

ولأنهم لم يجدوا بديلاً منها، ونظراً إلى انتشار البطالة الواسع، والتي تقدّر نسبتها بـ 15.3%، يعمل أكثر من 75 بالمئة من الشبّان التونسيين، والذين تراوح أعمارهم بين 15 و29 عاماً، في التجارة الموازية، وفق دراسة حديثة، صدرت عن «مكتب العمل الدولي» في تونس، وامتدت طوال 2015.
وبحسب المستشار لدى «المنظمة الدولية للعمل»، جتك شارمس، فإن الاقتصاد الموازي «لا يمكن اختزاله فقط في التهريب»، بل يضم، أيضاً، الوظائف غير المشمولة بضمانٍ اجتماعي. كذلك الوظائف في المؤسسات الصغرى، والتي لا تصرّح عن نفسها أو عن عمالها.
ودقّت المؤسسات المالية الدولية ناقوس الخطر، محذرةً من تنامي حجم الاقتصاد الموازي في تونس، والذي يمثل، اليوم قرابة 53%، من إجمالي الناتج المحلي. وهو ما يعادل 40 مليار دينار تونسي. كما يحذر رجال الاقتصاد وأصحاب المال والمشاريع من هذا الخطر، والذي يكاد يعصف بالاقتصاد الوطني التونسي.

تعمل الحكومة على خفض نسبة الاقتصاد الموازي إلى 20% مع حلول 2020

ولأنها استشعرت الخطر الكبير، الذي يمثله الاقتصاد الموازي، أو «الاقتصاد الأسود»، كما يطلق عليه بعض الخبراء، أكّد مدير مكافحة الاقتصاد الموازي في وزارة التجارة التونسية، أحمد العيفة، أن «الدولة لم تتوقف عن اتخاذ إجراءات لمحاصرة هذه الآفة التي تهدد البلاد»، مشيراً، في حديثه إلى «الأخبار»، إلى أن «كانون الثاني 2016، شهد إصدار قرار حكومي منظّم لآليات التصدي للتجارة الموازية». وتم من خلاله إقرار لجان جهوية مختصة لتتبع التجارة الموازية والتصدي لها. كما مهّد لوضع برنامج وطني في المجالين الرقابي والصحي.
وأشار العيفة إلى أن «محاصرة الاقتصاد الموازي مسألة دقيقة وحسّاسة» لأن ذلك «يستوعب آلاف الأيدي العاملة»، كما أنه مرتبط بالتهريب ويتطلب تكاتف الجهود بين مختلف الوزارات والمصالح للتصدي له.
وتطال ظاهرة التجارة الموازية منتجات الصناعات الغذائية، وقطاعات الطاقة والصيدلة، والصحة والمواد المدعمة. لكنّها امتدت، أيضاً، لتشمل تجارة العملة والأسلحة، وهو ما يمثل خطراً كبيراً يهدد استقرار البلاد وأمنها الاقتصادي.
وأثبتت دراسة ميدانية أنجزها الخبير الاقتصادي، محمد الهدار، أن قيمة التحويلات بالعملة الصعبة انطلاقاً من منطقة بن قردان القريبة من الحدود الليبية، إلى الخارج، تراوح بين 1 و3 ملايين دينار، في اليوم، ما يوازي 750 مليون دينار، سنوياً.
وتشير الدراسة ذاتها إلى أن سوق العملة في هذه المنطقة، يضم 5 صرافين كبار (سوق سوداء)، وما بين 205 و300 «عون صرف» يُسدون، يومياً، خدمات تغطي معظم العملات الأجنبية.
واعترف مجلس الوزارء التونسي، نهاية 2015، بالخسائر الجبائية الفادحة لخزينة الدولة، والتي قدرت بـ 1.2 مليار دينار، جرّاء التهريب والتجارة الموازية. وأقرّ المجلس بأن المعاملات الحدودية غير القانونية مع كل من ليبيا والجزائر، تجاوزت ما قيمته 1.8 مليار دينار.
وبيّنت الأرقام أنّ حجم التجارة الموازية مع ليبيا مثّل أكثر من نصف المعاملات النظامية، وجاء في بلاغٍ صادر عن رئاسة الحكومة، أنّ حجم التجارة الموازية مع الجزائر يساوي المعاملات النظامية (60% تجارة محروقات).
كما أقرّ المجلس بضرورة إنشاء نقاط مراقبة جمركية متقدمة (جهوية ــ محلية)، تتم فيها مراقبة المنتجات الموضوعة للتصدير. وكذلك تكوين طوق رقابي متحرك حول المناطق الحدودية والموانئ البحرية، فضلاً عن تعميم بإجبارية اعتماد الرموز الخطية، وتطوير العمل بالتقنيات التي توفرها وسائل الاتصال الحديثة.
وأكّد رئيس الحكومة، الحبيب الصيد، ضرورة إعداد خطة اتصالية متكاملة للتحذير من مخاطر التهريب والتجارة الموازية، ونتيجتها على الاقتصاد الوطني والتوازنات المالية للدولة، وصحة المستهلك وسلامته. ودعا إلى إنشاء لجنة فنية منبثقة عن اللجنة العليا المشتركة، مع كل من ليبيا والجزائر، لمتابعة ملف التهريب واقتراح الحلول الكفيلة باحتواء هذه الظاهرة وضمان تدفق منظّم للتبادلات.
وفي السياق، أعلن وزير المالية، سليم شاكر، أنّ الحكومة تعمل على تخفيض نسبة الاقتصاد الموازي في تونس من 50% إلى 20% مع حلول 2020، ليصبح الاقتصاد المنظم والمهيكل في حدود 80%.
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي، فتحي النوري، في حديثٍ إلى «الأخبار» أن الحل الأمثل للتصدي للاقتصاد الموازي، ومن ورائه الإرهاب، أمني بالأساس اليوم. وأضاف أن «الدولة غير قادرة على توفير آلاف الوظائف، اليوم، للعاملين بالمجالات الموازية، وغير قادرة على تحقيق نسب عالية من النمو»، مشيراً إلى أن «الأجهزة الأمنية بات واجباً عليها أن تعمل على التصدي للتهريب بكل حزم، كما عملها على التصدي للإرهاب».
ويضيف النوري أن الدولة راكمت المشاكل الاقتصادية طوال السنوات الخمس، ولم يعد من السهل حل الإشكالات العالقة والكبيرة، ولا سيما مسألة الاقتصاد الموازي، داعياً إلى تكوين خلية تفكير جدية، في وزارة التجارة للبحث في سبل محاصرة الاقتصاد الموازي وإلا سيُجهز على الاقتصاد المهيكل.