بعد عقود على ترجيحات الصحافة العربية وتقديرها لحجم الترسانة النووية الإسرائيلية وضخامتها، حان دور «الأقربون» للتطرّق إلى الموضوع. هم أولى بهذا المعروف، خصوصاً بعدما فتحت صحيفة «هآرتس» الباب أمامهم لذلك، في أواخر آب الماضي، بكشفها عن وثائق سرية أفرجت عنها الإدارة الأميركية، تشير إلى أن الخيار النووي الإسرائيلي موجود منذ أكثر من أربعة عقود، وهو محفوظ في «البئر الأميركية» منذ ذلك الحين.


«سرّ إسرائيل المحفوظ والأسوأ»، هكذا يُترجم إلى العربية الوصف الذي أطلقه الإعلام الأميركي على الترسانة النووية الإسرائيلية. ولكن هذه التسمية تدخل في سياق آخر أكثر جدلية، حين تُقرأ على صفحات مجلات أميركية معروفة كـ«ذي أتلانتك» و«فورين بوليسي».
في التقارير المنشورة حول هذا الموضوع، لم يقتصر الحديث عن السرّ المكشوف فقط، فالتعمية التي انتهجتها الإدارة الأميركية، طوال 40 عاماً، للتغطية على وجود هذه الترسانة، كانت محلّ انتقاد وسخرية أيضاً، وذلك أن الأمور وصلت مع واشنطن إلى حدّ التحذير والتهديد والعقاب بحق كل أميركي أو غربي مطّلع على هذا «السرّ الكبير» وتجرّأ أو حاول الحديث عنه.
«هل الصمت عن الأسلحة النووية الإسرائيلية يضرّ أكثر مما ينفع؟»، بهذا التساؤل بدأ الكاتبان دوغلاس بريتش وجيفري سميث تقريرهما في مجلة «ذي أتلانتك».
«إسرائيل لديها ترسانة كبيرة من الأسلحة النووية»، وبهذه العبارة لوزير الدفاع الأميركي الأسبق روبرت غيتس استهلّا نص الإجابة.
قال غيتس خلال جلسة الاستماع للتصديق على منصب وزير الدفاع في عام 2006، إن «إيران محاطة بقوى لديها أسلحة نووية»، من بينها «إسرائيل غرباً»، بحسب ما أضاف الكاتبان اللذان أشارا أيضاً إلى أن الرئيس الأسبق جيمي كارتر أكد ذلك في عام 2008 وخلال هذه السنة في عدة مقابلات وخطابات.
ولكن طبقاً لقواعد السرية الفدرالية، فإن ملاحظات كهذه لا يمكن التطرق إليها، عادة، من أشخاص يعملون لدى الإدارة الأميركية. ففي الحقيقة، «حتى الذين يعملون في مبنى الكونغرس يطلب إليهم بشكل روتيني عدم ذكر وجود ترسانة نووية إسرائيلية، وإلا تجري معاقبتهم»، بحسب بريتش وسميث.
ووفق وثائق أرشيف الأمن القومي الأميركي التي أفرج عنها أخيراً، فإن سياسة عدم تأكيد وجود «سرّ إسرائيل المحفوظ والأسوأ» تعود إلى اتفاق بين أميركا وإسرائيل في عام 1969، حين وقّع الرئيس ريتشارد نيكسون اتفاقاً مع رئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مئير، تضمّن اعترافاً سرياً بالحقيقة غير المعلنة للبرنامج النووي الإسرائيلي، وهي أن الولايات المتحدة ستقبل بهذا البرنامج ما لم تعترف إسرائيل بالأمر علناً. «نحن لن نقول بشكل قاطع إن إسرائيل تملك أسلحة نووية»، قال مسؤول سابق في وزارة الخارجية الأميركية لمجلة «ذي أتلانتك»، مضيفاً أنه «علينا أن نتحدث عن الموضوع على أنه مفترض أو أنه أُفيد بأن إسرائيل لديها هذه الأسلحة».
وحتى الكونغرس تطرّق إلى الموضوع بشكل خجول. فلجنة العلاقات الخارجية نشرت تقريراً في عام 2008 بعنوان «سلسلة من ردود الفعل: تجنّب سباق تسلّح نووي في الشرق الأوسط»، تضمّن فصولاً عن السعودية ومصر وتركيا، فيما تم التطرق إلى الترسانة الإسرائيلية في حاشية أو هامش، على أنها مجرّد «تصوّر». ولكن سياسة تحصين البرنامج النووي الإسرائيلي أثارت أخيراً جدلاً جديداً، من أحد أسبابه أحاديث عن أن الإدارة الأميركية لعبت دوراً في لوم باحث في المختبر الوطني للأسلحة في تموز الماضي، بعد نشره موضوعاً تطرّق فيه إلى الأسلحة النووية الإسرائيلية، الأمر الذي كان محطّ انتقاد في تقارير «ذي أتلانتك» و«وفورين بوليسي».
ففي الوقت الذي تمكّن فيه المسؤولون الرفيعو المستوى في البيت الأبيض مثل غيتس من الإفلات من دون محاسبة، لم يفلت المحلل النووي جايمس دويل من العقاب «بعدما شرد قليلاً في نص نشره في عام 2013 في المجلة البريطانية سورفايفيل».
قال دويل في المقال إن «الأسلحة النووية لم تمنع مصر وسوريا من الهجوم على إسرائيل في عام 1973، كما أنها لم تمنع الأرجنتين من مهاجمة الأراضي البريطانية في عام 1982 خلال حرب الفوكلاند أو العراق من مهاجمة إسرائيل خلال حرب الخليح عام 1991». كلام دويل الذي يعتبر تقييماً نقدياً حاداً للسياسة النووية الغربية، أغضب المسؤولين عنه في مختبر الأسلحة النووية وفي الإدارة الأميركية. وفي هذا الإطار، أشار بريتش وسميث إلى أنه رغم أن مسؤولي السرية في المختبر توصلوا إلى أن النص الذي كتبه لا يحتوي على أسرار، رفض مسؤولون آخرون أعلى شأناً ذلك، متحدثين عن مخالفة غير محدّدة بهدف إلقاء اللوم على دويل وإعلان المادة التي كتبها على أنها سريّة، بعد نشرها.
كانت تبعات ذلك أن تمّ خفض راتبه والبحث في حاسوبه إلى أن طردوه أخيراً، في الصيف. وفيما أعلن المختبر أن طرد دويل لا دخل له بمحتوى النص، إلا أنه ومحاميه قالا إنّ ذلك كان عقاباً على شكوكه حول مبادئ الردع النووي، من دون أن يؤكدا ما إذا كان الأمر مرتبطاً تحديداً بالمادّة التي نشرها.
جيفري لويس الذي انتقد في «فورين بوليسي» التصرّف الذي خضع له دويل، أشار من جهته إلى أن «الوضع مع إسرائيل غريب، فالمسؤولون الأميركيون يمكنهم ذكر وجود أي برنامج سلاح نووي آخر، حتى برنامج أحد الأصدقاء، ولكن وضع إسرائيل مختلف»، لافتاً الانتباه في هذا الإطار إلى أنه «كان لديهم الحرية لاختلاق برامج نووية لم تكن موجودة أصلاً، كالعراق مثلاً».