كالعادة أثبتت حرب تل أبيب الأخيرة على غزة تفوّقاً تقنياً في البحر والجوّ، لكن اثنين في إسرائيل لا يختلفان على أن جيشهم لم ينجح، رغم تسلحه بتكنولوجيا العصر، في المواجهة على البر، وتحديداً تحت الأرض. حتى أكبر الجيوش خلال الحروب العالمية تلقّت أذى كبيراً من هذه الأنفاق، ولعل تفجير مدينة «مايسن» البلجيكية في ربيع 1917 يمكن أن يعطي مثالاً واضحاً. فعشرة آلاف جندي ألماني قُتلوا في لحظة بـ600 طن من مادة «TNT» زرعها الإنكليز في 21 نفقاً تحت معسكرات الألمان على مدى 18 شهراً.
في مدة تقارب تلك الشهور عملت المقاومة الفلسطينية على تكرار التجربة العالمية، وبجهد كبير يُكابر الإعلام الإسرائيلي في الظاهر أمام مثال معركة «مايسن»، ويتذرّع أنشيل فايفر في صحيفة «هآرتس» بأنّ ذلك الهجوم المباغت لم يحسم الحرب العالمية الأولى، لكن فكرة كهذه، وإن على نطاق أصغر بمئة مرّة، تقض مضاجع الإسرائيليين.
وأكبر دليل على جدّية هذا الخطر الداهم أنّ الاسرائيليين أنفقوا ملايين الدولارات على أكثر من 700 فكرة لكشف أماكن الأنفاق تكنولوجياً، وكلّها أخفقت في تحقيق النتائج المرجوة سابقاً.

وحتى يومنا هذا، يعتمدون كثيراً على الحلول الاستخبارية التقليدية لكشف الأنفاق (العملاء، أو طائرات التجسس، أو اكتشاف صوت الحفريات)، وكذلك يعمدون إلى تعقّب حفّاري الأنفاق من حملة الهواتف الخلوية. فعند دخول الحفّار النفق ينقطع اتصاله ببرج الاتصالات. وعند خروجه بعد ساعات يعود الاتصال مجدّداً بالبرج، فيُعرف أنّه كان تحت الأرض، لكن هذا لا ينجح مع من يحتاط، فلا يحمل هاتفه ويستخدم شبكة الاتصالات الداخلية، وكذلك لا ينفع مع الأنفاق المحفورة سابقاً.
هذا الاستعداد «الفضيحة»، كما سمّاه الجيولوجي الإسرائيلي يوسي لانغوتسكي، نتج منه تفاجؤ إسرائيلي بعدد ونوعية شبكة الأنفاق المعقّدة التي بنتها المقاومة الفلسطينية، وهو ما سرّع الضغط الجدّي تجاه البدء بمشروع «المجرفة الحديدية» لكشف الأنفاق وتعطيلها، على غرار نظام «القبة الحديدية» المستخدم لاعتراض الصواريخ.
لم يُعلن الإسرائيليون تفاصيل «المجرفة» التي لم تنجز بعد، لكن صحفهم أوردت أفكاراً يُعمل عليها، وهي مستوحاة من الأبحاث الجيولوجية التي تعنى باكتشاف الآثار والمغارات في باطن الأرض. تحدّث بعضهم عن رادار لما تحت الأرض يُرسِل موجات وينتظر الإشارة العائدة، فإذا كانت مختلفة في منطقة ما عن باقي الأراضي، شُكّ في وجود نفق، مع أنّ هذه التقنية التي نجحت في حالة البحث عن الغاز والنفط لم تُختبر بعد جدّياً في اكتشاف الأنفاق.
في الحالة الغزّية، توجد أنفاق كثيرة يزيد عمقها على 10 أمتار، وتقلّ دقّة الرادار معها. وهناك تقنيات أخرى تعتمد على زرع أقطاب كهربائية في التراب أو تستخدم أمواج الصوت، لكن أيّ رقم عن دقّة هذه التقنيات في كشف الأنفاق لم يخرج بعد إلى العلن، ونقطة الضعف الأهمّ أنّ ما تحدّده جميعها هو هل يمر النفق في نقطة معيّنة أم لا، أمّا تعقّب فتحات النفق فيحتاج إلى جهد أكبر، كإجراء قياسات على طول الأماكن المتشعّبة من النقطة المشكوك فيها.

700 مليون دولار
لانشاء نظام لاكتشاف الأنفاق وتعطيلها

حتى شركة «Magna» الإسرائيلية التي تؤمّن جزءاً من مفاعل «فوكوشيما» الياباني قدّمت مقترحاً يقضي بزرع رادارات وحسّاسات (sensors) على عمق 30 متراً على طول 70 كلم من الحدود مع غزة، فتصبح الحدود مسيّجة من فوق الأرض ومن تحتها، وادّعت كذلك نسبة اكتشاف تفوق 99%. رغم ذلك، فإن تقريراً من «صانداي تايمز» قال إنّ الحكومة الإسرائيلية وقع اختيارها على شركتي «إلبيت» و«رافايل» (ذات علاقة بالقبة الحديدية) لإنشاء نظام لاكتشاف الأنفاق وتعطيلها بكلفة 700 مليون دولار. ومن الملاحظ أنّ التقنيات التي يذكرها التقرير شبيهة جدّاً بما اقترحته «Magna»، مع إضافة تتلخّص بجدار حديدي تحت الأرض في المناطق الحسّاسة. وهو، إن صحّ، يعني أنّ التركيز سيكون على الأنفاق الهجومية التي تمتدّ إلى الأراضي المحتلة، إذ من الصعب أن يحفر جيش الاحتلال داخل القطاع كي يمنع الأنفاق هناك.
تبقى خيارات تقليدية أخرى كالقصف الجوّي أو الحفر بالجرّافات، وحتى إغراق الأنفاق بمياه المجارير، وهي وسيلة أخرى استخدمها الجيش المصري على الحدود الجنوبية لغزّة، لكن هذه الوسائل ليست فعالة في حالة الأنفاق الهجومية، فإغراق إسرائيل باطن الأرض المحتلّة بالمجارير مثلاً قد يلوّث مياهها الجوفية، ولو اكتشف الإسرائيلي أن نفقاً يمرّ تحته فهو لا يستطيع قصف مواقعه، لذلك كان الحلّ هو إغلاق الفتحات من جنود متخصصين، وأمثالهم أطلق عليهم اسم «جرذان الأنفاق» خلال حرب فيتنام، وهم اليوم وحدة «سمور» في الجيش الإسرائيلي.
تحت ضغط المواجهة الشرسة التي رآها هؤلاء في الحرب الأخيرة، وقّعت الحكومة الإسرائيلية عقداً مع شركة «Roboteam» لتزوّد الجيش بأكثر من مئة روبوت من نوع «MTGR»، وهو روبوت يُمكن حمله على الكتف، ومزوّد بخمس كاميرات، لكنّه معدّ لإعانة الجندي في استطلاع النفق وليس للهجوم بعد.
في النهاية، يبقى الإسرائيلي يلجأ إلى حلّ تقني غير كامل، لكن بعض ما يريده هو تأمين رعب مضادّ يحتاج إليه أمام رعب الأنفاق الهجومية، ويريد به أن يزيد المخاطرة المادّية التي تتكبّدها المقاومة مع كلّ نفق يُحفر. كأنّه يرسي المعادلة الآتية: «إن كان كلّ نفق هجومي تقدّر كلفته من عمّال وموادّ بمئات الآلاف أو الملايين من الدولارات، فهو بعد إنشاء المجرفة الحديدية يكشف في دقائق من دون كلفة إضافية».
في المقابل، لا يمكن أن نتوقّع ردّاً بإيقاف الأنفاق، لأنّ ذلك يعني إراحة الإسرائيلي. بل على العكس، قد ينصبّ الجهد على مواجهة التقنية بما يضلّلها، أو الاعتماد على قصورها، كما ان الاحتلال نفسه يتحمّل مع الصواريخ معادلةً خاسرةً مادّياً، فلا تزال كلفة اعتراضه للصاروخ أكبر من كلفة الصاروخ نفسه. وحتى لو افترضنا نجاح تلك المعادلة، وعدلت المقاومة عن الاستثمار في الأنفاق الهجومية، فالأموال قد تتوجّه إلى وسيلة تزيد خسائره أكثر. أمّا إن لم تحقّق «المجرفة الحديدية» مبتغاها، وأدخلت المقاومة تقنيات دفاعية جديدة، فيمكن العمل على قول أحدهم: «إنّ آخر حديد إسرائيل، بعد القبّة والمجرفة، قد تكون الرُقية بسورة الحديد!».