تونس | تزامناً مع أوّل أيام العيد، وفي غمرة انغماس التونسي، كمعظم شعوب العالم العربي، في مراسم العيد والأضحية، تنطلق، على نحو رسمي، الحملة الانتخابية للانتخابات التشريعية الثانية التي تعرفها البلاد (بعد انتخابات 23 من تشرين الأول لسنة 2011). الحملة كانت قد انطلقت على مواقع التواصل الاجتماعي منذ أسابيع. مئات الصفحات الخاصة بالمرشحين والأحزاب غزت هذا الفضاء، ويدأب مساندون، منذ إيداع الترشّحات، على نشر صور وشعارات الأحزاب، والقائمات المرشحة.


ليتحوّل الفضاء الافتراضي، الذي أصبح منذ سنوات محركاً وموجها للرأي العام، إلى "بازار انتخابي" بامتياز .
تنص الروزنامة الانتخابية، التي حددتها الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، على أنّ انطلاق الحملة الانتخابية يوم الرابع من تشرين الأول، أي 22 يوماً قبل يوم الاقتراع، لتمتد لـ21 يوماً "كما نصّ القانون الانتخابي"، فيما يعرف التونسي أنّ الحملة قد انطلقت منذ مدة طويلة، بأشكال أخرى، إمّا عن طريق الظهور عبر وسائل الإعلام، ومحاولة خلق ضجة، أو من خلال استغلال عدد من المرشّحين، النوّاب في المجلس التأسيسي، لظهورهم في مداولات المجلس، وإلقاء كلمات تحاول أن "تدغدغ" مشاعر أبناء الجهات التي يمثلونها. وهو ما دفع باقرار إيقاف بث الجلسات العامة للنواب عبر التلفزيون الحكومي، ثم سرعان ما جرى التراجع عن هذا القرار.
الحملة انطلقت أيضا بالنسبة للمرشحين للرئاسة، الذين أخذ أغلبهم منذ فترة في التسابق للظهور الإعلامي، وعلى واجهات الصحف والجرائد، وخاصّة أن القانون الانتخابي قد أوكل هذه المهمة لهيئة الإعلام السمعي والبصري (هيئة دستورية أحدثت بعد الثورة) دون تدقيق، واقتصر على "منع الإشهار السياسي في الصحف بكل أشكاله" أثناء الحملة الانتخابية، ما عدا الصحف الحزبية. الأمر الذي جعل بعض الصحف تعمد إلى اعتماد أساليب صحافية أخرى (حوار، بورتريه) بعناوين رنانة ومقدمات مدائحيّة، بحجة تعريف المواطن بالمرشحين للرئاسة، ومترئسي القائمات التشريعية. وكنتيجة، صار المواطن التونسي منذ أسابيع تائها بين الأسماء السياسية المتدافعة، والوجوه المتنافسة، فما بالك حين افتتاح ماراثون الحملات الانتخابية رسميا؟ وهذا الماراثون يعرّفه القانون الانتخابي "على أنه يتمثل في وسائل الدعاية المتعلقة بالانتخابات في الإعلانات والاجتماعات العمومية والاستعراضات والمواكب والتجمعات (الحرة) والأنشطة الإعلانية بمختلف وسائل الإعلام السمعية والبصرية والمكتوبة والالكترونية وغيرها من وسائل الدعاية"، وتتمثل الإعلانات الانتخابية، والمتعلقة بالاستفتاء، في المعلقات والمناشير والبرامج والاعلام بمواعيد الاجتماعات، فيما يعرّفه المواطن التونسي البسيط، وبالرجوع إلى تجربته السابقة مع الانتخابات، على أنه سوق عكاظ سياسي، تنتشر خلاله الألوان الحزبية، والمعلقات والصور والمناشير، وخاصة "الوعود".

لم يتجاوز عدد الناخبين المسجلين في الختام الخمسة ملايين ناخب إلا بقليل
والتونسي كان قد امتلأ وعوداً وأمنيات ومغريات خلال الحملة السابقة، ولم ير منها شيئا قد تحقق، حتى صار يتمنى العودة إلى الوضع الذي كان عليه قبل الثورة. وأمّا جيبه الذي أقسم كل المرشحين على ملئه، فقد صار خاويا كبطنه، والعمل الذي تسابق كل السياسيين للوعد بتوفيره، والقضاء على البطالة، فقد صار حلماً بعيد المنال. والجهات الداخلية، التي زايد الجميع بها وتنافسوا على مغازلتها، بقيت على حالها من تهميش وفقر، بل وأضيفت إلى حالها، الأمراض والأوبئة وغول "الارهاب" الذي وجد فيها الحاضن الملائم.
وقد حددت هيئة الانتخابات، والهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي والبصري، بقرار مشترك قواعد الحملة الخاصة بوسائل الاعلام، وإجراءاتها، والشروط المتعلقة بانتاج البرامج والتقارير والفقرات المتعلقة بالحملات لمختلف المرشحين، أو القائمات المرشحة. وتحدّد الهيئتان، المدّة الزمنية للحصص والبرامج المخصصة للأحزاب، وتوزيعها وتوقيتها في مختلف وسائل الاتصال السمعي والبصري، على أساس احترام مبادئ التعدديّة والإنصاف. ويبقى مدى التزام وسائل الاعلام بهذه الضوابط محلّ نقاش، وخاصّة أنّ أغلب هذه الوسائل قد رفض توقيع كرّاس الشروط التي أصدرتها هيئة الاعلام، وقد اندلعت حرب معلنة بين الطرفين منذ فترة قابلة للتطور.
وللشارع التونسي تجربة مع الحملات، والانتخابات، غير جيدة الصيت. فمشاهد شاحنات وصناديق "الإعانات" التي وزّعتها بعض الأحزاب أثناء الحملة لم تمح من الأذهان، كذلك توزيع "سندويشات" خلال الاجتماعات الشعبية، من طرف أحد الأحزاب المعروفة، لا تزال لصيقة باسمه إلى اليوم ليلقّبه الناس بـ"حزب الكسكروت" (السندويتش باللهجة التونسية)، فيما عمد الحزب الإسلامي الأشهر إلى عقد زيجات جماعيّة وحفلات ختان، وانتشرت في الفترة نفسها أخبار من الجهات تؤكد توزيع أحزاب أخرى للخرفان على المعوزين والفقراء، ووصل الأمر إلى حد توزيع مبالغ مالية مهمّة على الناخبين لشراء أصواتهم وكسبها. حينها جرى تبرير كل هذه المظاهر التي سعد بها الفقير، وغضب منها المتابعون للشأن السياسي والنشطاء في الجمعيات التي تعنى بالانتخابات، بأنها التجربة الأولى ولا مفرّ من وقوع زلات وأخطاء.
اليوم، وبعد 3 سنوات من التقويم والنقد لتلك التجربة، وبعد إرساء قوانين أرادت أن تتفادى الأخطاء والهنات الماضية، ينتظر التونسي الشكل الذي ستكون عليه هذه الحملة. هل سيُشبع فيها الفقير، الذي ازداد فقره، بعضا من جوعه إلى حين؟ أم ستكون حملات "نظيفة" لا تشوبها شائبة؟
انتشر منذ فترة شريط طريف ومحزن في الآن نفسه، لامرأتين ريفيتين في عمق مدينة القصرين التي عشش الإرهاب في جبالها، وهما تجيبان عن سؤال "من ستنتخبان في الانتخابات المقبلة؟" لتكون الاجابة حادّة وحاسمة بأنهما لن تنتخبا أحدا، ناعتتين السياسيين والمرشحين جميعاً بعبارة بذيئة تطلق على الرجال "الشواذ" في اللهجة التونسية. الفيديو أضحك كثيرين، ونشر على نحو واسع على صفحات التواصل الاجتماعي، ولقي رواجاً كبيرا، وموافقة واسعة من مختلف الشرائح، وخاصة الشبابية منها، فالشباب التونسي اليوم يبدو الشريحة الغاضبة الأكبر، وهو الذي يقود دعوات المقاطعة ويحمل راية شيطنة جميع الأحزاب على اختلاف ألوانها ومشاربها. وهذا الفيديو وإن كانت في تداوله دعوة ساخرة لمقاطعة الانتخابات، وتجاهل الحملات الانتخابية، فإنّه ليس المظهر الوحيد لهذه المقاطعة. فالتونسيون كانوا قد عبّروا عن مقاطعتهم منذ فتح باب التسجيل في الانتخابات، الذي جرى التمديد فيه بسبب ضعف الإقبال، ولم يتجاوز عدد المسجلين في الختام، الخمسة ملايين ناخب إلا بقليل، من بينهم عدد كبير من المسجلين منذ الانتخابات السابقة. مقاطعة ستتجلى أكثر أثناء انطلاق الحملات الانتخابية، وتوزّع الخيام الدعائية والاجتماعات الشعبية، إذ من المتوقع ألا يكون الاقبال على هذه الحملات في مستوى التجربة الانتخابية الماضية، التي شهدت إقبالاً كبيراً رغم نواقصها وعيوبها، والتجاوزات التي شهدتها.