موسكو | تتأتّى المخاوف الروسيّة من إسقاط النظام السوري لإدراك روسيا أنّ ذلك ليس هدفاً بحدّ ذاته لدى الإدارة الأميركيّة، بل هو إحدى المراحل على طريق تحقيق مهمة واشنطن الرئيسية الكبرى في إضعاف موقع روسيا في المنطقة بكلّ الوسائل الممكنة.

منذ اندلاع الأزمة في سوريا، تؤدي موسكو دورها بمهارة، وبنحو محسوم، داعمة القيادة السورية.

وقد حال الكرملين في العام الماضي دون التدخل العسكري الأميركي للقضاء على الأسلحة الكيميائية السورية، ما عزز اهتمام اللاعبين الإقليميين بروسيا، حيث يجري تطوير علاقات الشراكة الاستراتيجية بين موسكو والقاهرة، كذلك حدث تقارب واضح بين الدب الروسي وبغداد.
غير أن القرار الأميركي المفصلي بضرب مواقع "داعش" في العراق وسوريا خلط أوراق اللاعبين الإقليميين والدوليين، وبخاصة موسكو، التي أبدت قلقها من الصحوة الأميركية المتأخرة.
وفيما أكدت الخارجية السورية استعداد دمشق للتعاون في مكافحة الإرهاب، ولمّحت إلى أنها لن تكون حجر عثرة أمام الحملة الأميركية، لفت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مكالمة هاتفية مع الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون (في 23 أيلول الماضي) إلى "عدم جواز توجيه ضربات جوية ضد مواقع (الدولة الإسلامية) في سوريا من دون موافقة دمشق"، وأكد وزير الخارجية سيرغي لافروف أكثر مرة أن "توجيه ضربات جوية إلى مواقع الإرهابيين في سوريا من دون موافقة سلطاتها الرسمية هو خرق فاضح للقانون الدولي"، محذّراً من إمكانية شنّ هجمات على القوّات السورية تحت ستار محاربة الإرهاب، ليأتي تحذير مندوب روسيا الدائم لدى الأمم المتحدة فيتالي تشوركين، أكثر وضوحاً، حين حذّر دمشق من الركون إلى التعهدات الأميركية بعدم توجيه ضربات إلى القوّات السورية خلال الغارات على "داعش" داخل أراضيها. وقال تشوركين لوكالة "إنترفاكس" الروسية (في 3 تشرين الأول)، إنه "سيكون غريباً أن تثق دمشق بهذه التعهدات". جاء ذلك بعد أيام من خطاب وزير الخارجية السوري وليد المعلم في الأمم المتحدة، الذي حثّ فيه المجتمع الدولي على الإسراع في محاربة الإرهاب، ولم يتضمن أي إدانة للتدخل الأجنبي في بلاده.
لكن موسكو لا تتخوف من عناق أميركي سوري خانق محتمل في هذا الصدد. فهي لم تطمح منذ البداية إلى أن تصبح حليفاً رئيسياً لسوريا، ولا سيما أن بوتين ذكِّر مراراً بأن الأسد زار فرنسا وبريطانيا إثر انتخابه، ولم يزر موسكو إلا بعد ثلاث سنوات من ذلك، لكن تأتي خشيتها من إسقاط النظام السوري، لأنها تدرك جيداً أن ذلك ليس هدفاً بحدّ ذاته، بل إحدى المراحل على طريق تحقيق مهمة واشنطن الرئيسية الكبرى، وهي إنهاك الاقتصاد الروسي وإضعاف موقع روسيا في المنطقة بجميع الوسائل الممكنة، لأن دمشق تعرقل مدّ خطّ أنابيب للغاز من قطر عبر السعودية والأردن وسوريا إلى شاطئ البحر الأبيض المتوسط، ثمّ إلى جنوب أوروبا، والذي يهدف إلى إفشال مشروع مدّ خط "السيل الجنوبي" الروسي للغاز.
وإضافة إلى الاتجاه الأوكراني، الذي يستنفد موارد مادية وسياسية روسية ضخمة، تشنّ الولايات المتحدة الآن هجومها على روسيا من الاتجاه الجنوبي ـ الشرقين الأدنى والأوسط ـ بذريعة مكافحة التطرف الإسلامي بشخص "الدولة الإسلامية"، وذلك للتوصل، حسب خطة البيت الأبيض النهائية، إلى تغيير السلطة القائمة في موسكو بأخرى موالية لواشنطن، والهيمنة على مصادر الطاقة في العالم، ما لا يترك خياراً أمام الكرملين سوى الدفاع المستميت على كلا الاتجاهين.