سيناء | وضعت الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة أوزارها، لكن الحياة لم تعد إلى المدينة «المحاصرة فعلا» كما كان مطلوبا ومتوقعا. فهناك حرب أخرى تدار على شروط إعادة الإعمار، لكنها وصلت أيضا إلى تفاصيل تفاصيل الإعمار.


منذ ما قبل الحرب، كانت عمليات نقل مواد البناء والمعدات ذات العلاقة شبه متوقفة من خلال معبر رفح الملاصق لمصر، وإن كان سبب المنع سياسيا، فإنه عاد بالخسارة الفادحة على الشركات المصرية التي كانت موادها تصل إلى السوق الغزية، وخاصة الإسمنت الذي كان يعرف باسم «الإسمنت العسكري»، نسبة إلى المصانع التابعة للقوات المسلحة المصرية، فضلا على شركات أخرى خاصة.
وتفيد مصادر تجارية لـ«الأخبار» بأن هذا المنع أدى إلى توقف عمل نحو 12 شركة تقودها شركة أبناء سيناء للتنمية والاستثمار الحاصلة على عقود حصرية من هيئة الإعمار ووزارة الأشغال الفلسطينية لتزويد غزة بمواد البناء، علما بأن الشركة حصلت على كل الموافقات الأمنية بعد اختيارها لأنها «كيان يضم كل أطياف المجتمع السيناوي وشركاته».
يقول إبراهيم العرجاني، وهو رئيس مجلس إدارة الشركة، إن توقف دخول المواد إلى غزة أدى إلى بقاء مواد خام ومعدات تبلغ قيمتها نحو 25 مليون جنيه في انتظار فتح معبر رفح لإدخالها، مضيفا لـ«الأخبار»: «ندفع أرضيات (بدل استئجار) بقيمة نحو 40 ألف جنيه يوميا لمصلحة الموانئ»، فيما قدر المتحدث الرسمي باسم «أبناء سيناء»، أحمد غانم، أنهم دفعوا أكثر من 10 ملايين جنيه رسوما لإدارة المعبر على الشاحنات التي تدخل إلى غزة، ما يعني أن من حق الشاحنات العبور لاستيفاء الجهات الرسمية الحقوق المالية.

عائلات سيناوية كثيرة
تضررت من منع إدخال المواد المصرية إلى غزة

كذلك أوضح مشرفو الشركات أن نحو 1200 عائلة يعتمد دخلها على العمل في هذا المجال، لكنهم لا يزالون ينتظرون رغم تأكيدهم أنهم حصلوا كل الموافقات من الجهات الأمنية. وتقدر مصادر من داخل بعض الشركات التأخير الجاري بسبب انتظار حسم قرار الجهة التي ستتولى قضية الإعمار، إذ إن هناك «شركات إسرائيلية تسعى إلى الفوز في عملية إعمار غزة بدلا عن الشركات المصرية»، مشيرة إلى أن الأخيرة كانت قد حصلت على موافقة السلطة الفلسطينية والأجهزة المصرية للعمل في مشاريع إعمار سابقة عبر المنحة القطرية البالغة 500 مليون دولار، وأدخلت جزءا منها قبل توقف إدخال مواد البناء عبر المعبر.في السياق، أوضح موسى المنيعي، وهو عضو في مجلس إدارة إحدى الشركات، أنه بعد تحريهم عن سبب العرقلة تبين أن إسرائيل ترفض إدخال مواد البناء عبر معبر رفح، وتضغط على مختلف الجهات لإدخالها من معبر آخر «على أن تورد المواد الشركات الإسرائيلية بالتنسيق مع بعض شركات السلطة».
المستشار غانم أكد، هو الآخر، أن إسرائيل كانت تسعى دوما إلى خلق حالة من البطالة وتوقف العمل في محاجر سيناء، «ما يعني بلغة أخرى لجوء العاملين إلى البحث عن وسائل أخرى لكسب الرزق وقد تكون غير مشروعة، وهو ما يترتب عليه إحداث حالة من الفوضى». وشدد على أنه جرى تقديم كل الموافقات إليهم، «وآخر ما وصلنا خطاب من لجنة الإعمار ووزارة الأشغال الفلسطينية باحتياجات القطاع لتوريد مواد بناء بعد الحرب الأخيرة».
أصحاب شركات أخرى ذكروا أنهم جهزوا كميات كبيرة من مواد البناء قرب المعبر، وسبق ذلك تشغيل الكسارات في جبال وسط سيناء ودفع مبالغ طائلة لتوفير الكميات المطلوبة من مادة «السن»، وهو «زلط صغير» يستخدم في الخرسانة المسلحة، مع ذلك لم يسمح بنقلها حتى الآن إلى غزة. ويترتب على ذلك بقاء المواد المذكورة عرضة للتلف بسبب تغير الطقس وسقوط الأمطار، وخاصة الإسمنت الأسود والأبيض والجبس.
أما العاملون في مجال البناء، وجميعهم من القبائل البدوية، فشددوا على أهمية استئناف العمل في نقل مواد البناء إلى غزة، نظرا إلى ما تمثله لهم من مصادر معيشتهم، مناشدين الجهات المسؤولة أخذ أحوالهم بعين الاعتبار.
في المقابل، أفاد مصدر أمني مسؤول في معبر رفح البري بأنهم مستعدون تقنيا لإدخال هذه المواد، لكنهم في انتظار موافقة الجهات المتخصصة. وشدد المصدر، الذي رفض عرض اسمه، أنهم لا يعملون إلا «وفقا للتعليمات التي تردنا من القاهرة مباشرة وتحديدا من إدارة الأمن الوطني». وعن قبول التعامل مع المنحة القطرية للإعمار، أوضح رئيس الغرفة التجارية في شمال سيناء، عبد الله قنديل، أن الدوحة حصلت على استثناء بإدخال المواد ذات الصلة بمشروع إعمار غزة عبر معبر رفح «بصفتها تدخل في إطار المساعدات التي جرى إقرارها عربيًا منذ عام 2008، وهي أيضا حصلت من الغرفة التجارية على كل الموافقات، لذلك لا يوجد أي مبرر لمنع دخولها حاليا». ورأى بدوي، في حديث مع «الأخبار» أن توقف إدخال مواد البناء «لغز» غير مفهوم ووراءه «علامات استفهام».