واصل تنظيم «الدولة الإسلامية» تغلغله داخل مدينة عين العرب، رغم استماتة أبنائها في الدفاع عنها. ومع الأخذ في الاعتبار أن مناطق الأكراد في ريف حلب سبق لها أن تعرضت لحصار طويل فرضه مسلحو «داعش»، من دون الإقدام على اقتحامها رغم إمكانية ذلك في حينها، يغدو التشكيك بدوافع الاقتحام، ومُحركاته في هذا الوقت أمراً مشروعاً. كذلك يكتسب تشكيك معظم المصادر الكردية في جدية «المجتمع الدولي» في التحرك لإنقاذ المدينة مشروعية إضافية بالنظر إلى أن هجمات «داعش» قد بدأت منذ قرابة شهر، وتواصلت تحت أنظار «طيران التحالف».


فيما تستمر المراوغة السياسية، بصورة توحي أنّ معسكر الحلفاء ينتظر سقوط المدينة تمهيداً لشيءٍ ما. وبدا لافتاً أن الحديث عن «تدريب المعارضة المعتدلة» عاد إلى الواجهة، عبر البوابة التركية هذه المرة. الولايات المتحدة واصلت أمس انهماكها في التذكير بعدد الغارات التي تشنها «قوات التحالف» من دون أن يعكس الميدان أي فاعلية لها. فيما كان الموفد الأممي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا يطلق نبوءاته حول المدينة التي «باتت على وشك السقوط في أيدي تنظيم الدولة الإسلامية»، ويعبّر عن خشيته من تكرار مذبحة سربرنيتشا التي قتل فيها الآلاف في البوسنة عام 1995. ميستورا، خصّ «كوباني» ببيان قال فيه إن «الامور ستكون مرعبة من دون مساعدات دولية إضافية». كذلك أكّد أن «من واجب المجتمع الدولي الدفاع عنها، فالمجتمع الدولي لا يمكن أن يتساهل حيال سقوط مدينة جديدة بأيدي الدولة الإسلامية». لكن المجتمع الدولي، المضبوط على الإيقاع الأميركي، بدا مشغولاً باستكمال «بناء التحالف»، الذي توحي المجريات أن تمّدد «داعش» ضروري ليضمن له حرباً طويلة، يبدو إنهاؤها من دون تغيير شكل الخريطة أمراً مستبعداً. وفي هذا السياق، أعلنت الخارجية الأميركية أمس أن أنقرة «وافقت على دعم تدريب المعارضة المعتدلة في سوريا وتجهيزها». وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية ماري هارف، في تصريحات صحافية إنّ «فريق تخطيط من البنتاغون سيتوجه إلى أنقرة الأسبوع المقبل لمواصلة التخطيط عبر القنوات العسكرية». وفي وقت متأخر، أكّد نائب مستشار الأمن القومي الأميركي، توني بلينكين، أن «مسلحي الدولة باتوا يسيطرون على 40 في المئة من مساحة بلدة عين العرب». بدوره، أكد رئيس «حزب الاتحاد الديمقراطي» الكردي، صالح مسلم، أنّ «المستهدف في كوباني هم الأكراد»، واتهم «قوات التحالف الدولي» بـ«الإسهام في ذلك إلى حد كبير». مسلم، قال في تصريحات أدلى بها لقناة «الميادين» إن «هناك انتقائية في التعامل مع الكرد، والتعاطي الدولي مع قضية كوباني مثير للشكوك»، وكرر التحذير من «إبادة جماعية في كوباني على يد داعش». كذلك أكد أن «الطرف الكردي يحاول إيصال المساعدات إلى كوباني، لكن حرس الحدود التركي لم يسمح بذلك».

واشنطن: أنقرة
وافقت على تجهيز المعارضة المعتدلة


على الأرض، وبعيداً من التصريحات السياسية، بدا أنّ عين العرب بحاجة إلى معجزة تحول دون سقوطها، بعد أن تمكن «داعش» من السيطرة على نصف المدينة. التنظيم، واصل اعتماده على الهجمات الانتحارية مفتاحاً لتقويض تماسك المقاتلين الأكراد، ففجّر أبو محمود التونسي نفسه بعربة مفخخة على مقربة من المسجد الكبير، غرب «المربع الأمني»، الذي كان مسلحو التنظيم قد تمكنوا سابقاً من بسط سيطرتهم عليه. ويشمل المربع الأمني مركز الشرطة الرئيسي وبعض النقاط الأمنية والسجن. وسيطر التنظيم على مبنى السرايا الحكومية، ومركز البلدية، ومقر حزب الاتحاد الديمقراطي، ومقر الحزب الديمقراطي الكردي السوري. ودارت اشتباكات عنيفة في حي «كانيا كردا»، وعلى تلة «مشتة نور»، وعلى «طريق حلب»، وطريق قرية ترمك. وأكدت مصادر إعلامية كردية أن «10 عناصر من التنظيم لقوا مصرعهم إثر كمين نصبته لهم وحدات حماية الشعب الكردي في الجبهة الجنوبية». فيما اكتفى التنظيم بإعلان مقتل أصغر عناصره، الطفل المعروف باسم «شبل البغدادي»، الذي يشتهر بأنه «أصغر مهاجر من جزيرة العرب ينتمي إلى صفوف الدولة». وبثّ التنظيم مقطع فيديو بيّن خلاله أنّ الطفل الذي يبلغ من العمر 11 عاماً، قُتل خلال غارات للتحالف.
في الأثناء، أعلنت القيادة المركزية في الجيش الأميركي «شن تسع ضربات جوية في سوريا استهدفت مقاتلي الدولة الإسلامية يومي الخميس والجمعة بينها سبع ضربات قرب مدينة كوباني». وأضاف الجيش في بيان أن «ضربتين شنهما يومي الخميس والجمعة استهدفتا منطقة إلى الجنوب الشرقي من كوباني ودمرتا منشأتي تدريب للدولة الإسلامية». فيما «وقعت أربع ضربات، وقصفت الضربة السابعة منطقة إلى الشمال الشرقي من كوباني، فيما قصفت ضربتان مدينتي دير الزور والحسكة»، وفقاً للبيان. ونقل «المرصد السوري لحقوق الإنسان» عن مصادر وصفها بـ«الموثوقة» قولها إن «طائرات التحالف استهدفت أربعة تجمعات لتنظيم الدولة الإسلامية في منطقة المربع الحكومي الأمني ومحيطها وبالقرب من سوق الهال، إضافة إلى استهداف تجمّع للتنظيم في منطقة شارع الـ 48 بالمدينة». وأضاف، نقلاً عن المصادر أن «التنظيم يعمد إلى رفع رايات وحدات حماية الشعب الكردي على آلياته لتضليل طائرات التحالف العربي - الدولي، وتجنب استهدافها له، ويقوم عناصر التنظيم، بارتداء لباس عسكري مشابه للباس مقاتلي وحدات الحماية، في محاولة للتسلل إلى مناطق سيطرة الوحدات».
أوساط «الدولة الإسلامية» بدت مرتاحة للتطورات الميدانية. مصدر من داخل التنظيم قال لـ«الأخبار» إن «تأخر الفتح لم يزعزع من ثقة المجاهدين بالنصر، ونحن واثقون من أن المساجد ستصدح بالتكبير قريباً. سنخلص عين الإسلام من حكم الملاحدة العلمانيين، سنُطبق الشريعة الإسلامية، وستتجول سيارات الحسبة فيها». المصدر وصف الحديث عن سيطرة التنظيم على 40% من المدينة بـ«الزور والبهتان»، مؤكداً في الوقت نفسه أن «مجاهدي دولة الخلافة أحكموا سيطرتهم على ثلاثة أرباع عين الإسلام على الأقل حتى الآن». وقال المصدر إن «حربنا ليست عرقية، نحن لا نستهدف الأكراد، بل نستهدف الكفار، سواء أكانوا أكراداً أم أعراباً، أم غير ذلك». وأكّد أن «مجاهدي دولة الخلافة لن يتوقفوا، سيواصلون التمدد في كل مكان. وليخسأ كل من يظن أن ضربات الطيران الصليبي تخيفنا. فليرسلوا جنودهم، نحن متشوقون لذلك اليوم». بدورها، الرئيسة المشتركة لحزب الاتحاد الديمقراطي، آسيا عبد الله، أكدت أن المدافعين عن «كوباني» يملكون «إمكانية الصمود لأشهر. سنقاتل حتى آخر قطرة من دمائنا». ونقلت وسائل إعلام كردية عن عبد الله تأكيدها من داخل المدينة أن «القياديين يعقدون اجتماعات دورية مع كل اللجان العاملة على الأرض ويتواصلون يومياً مع المقاومة الكردية لتأمين كل احتياجاتهم». فيما نقلت شبكة «ولاتي» الكردية عن القائد العسكري لـ«كتائب شمس الشمال» تأكيده «كذب الأنباء التي تتحدث عن سيطرة داعش على أربعين بالمئة من المدينة». القائد المعروف باسم أبو ليلى، أكد أن «المساحة لا تتجاوز 25 بالمائة. قواتهم (داعش) موجودة بالقرب من كانيا عربان وجبل مشته نور». فيما أكد مصدر ميداني كردي لـ«الأخبار» أن «الوضع صعب للغاية. نحن بحاجة إلى إمدادات عاجلة، لكننا لا ننتظرها، ولا نتوقع وصولها من أحد. سنقاتل حتى آخر طلقة».
إلى ذلك، دعا «المجلس التنفيذي للإدارة الذاتية في مقاطعة كوباني» المجتمع الدولي إلى «فتح ممر إنساني آمن بشكل عاجل». المجلس طالب المجتمع الدولي والأمم المتحدة والتحالف الدولي في بيان بضرورة «فتح ممر إنساني آمن بشكل عاجل بهدف تأمين حياة المدنيين ومنع تعرضهم للمجازر والقتل». ودعا البيان إلى «تكثيف الضربات على أماكن تواجد عناصر داعش حول المدينة ومستودعاته اللوجستية وأسلحته الثقيلة». بدورها، أعلنت «القيادة العسكرية للمجلس الثوري الكردي السوري/ كوملة» الانسحاب من «جبهة ثوار سوريا»، بسبب «إخلالها بالتزامتها وتخاذلها في دعم كوباني»، وفقاً لبيان مصور، وناشدت «كافة القوى القومية والوطنية، وكذلك التحالف الدولي تقديم الدعم العسكري اللازم لقوات الكوملة العسكرية كي تتمكن من القيام بدورها بالدفاع عن الشعب الكردي خاصة، والسوري عامة».