تدبّ الحركة في أسواق القات المنتشرة في العاصمة اليمنية صنعاء والمحافظات بكثافة، بصورة يومية، دون انقطاع أو تراجع، إلى حدّ تتجاوز فيه 12 ساعة في اليوم الواحد، وتبدأ من العاشرة صباح كل يوم، ثم تصل أعلى ذروتها في تمام الثانية من بعد الظهر، لتبدأ بالانحسار تدريجياً حتى الحادية عشرة مساءً. وكغيرها، تتأثر أسعار نبتة القات بقدر التفاعل بين العرض في أسواقها الخاصة والطلب؛ ففي حال ارتفاع العرض وتراجع الطلب تتراجع أسعارها إلى أدنى المستويات، والعكس صحيح.

في صنعاء، ورغم تصاعد الغارات التي تشنّها طائرات العدوان بصورة يومية وتستهدف أحياناً مناطق قريبة من الأسواق عامة، فإن أسواق القات لم تتأثر، حيث إن القصف بعد عشرة أشهر بات عملية روتينية بالنسبة إلى الناس. كذلك، فإن ما زاد استهلاك القات بين المجتمع اليمني فقدان مئات الآلاف فرص أعمالهم في القطاعات الإنتاجية والخدمية نتيجة العدوان.
وفي الوقت الذي ارتفع الفاقد الزراعي في مجال زراعة الفواكه والخضر نتيجة انعدام المشتقات النفطية، لم تتأثر مزارع القات في عدد من المحافظات، فقد اتجه مزارعوها إلى شراء مادة الديزل التي تستخدم لتشغيل مضخات المياه من السوق السوداء، لكن بأسعار تفوق 400% عن السعر الرسمي. كذلك استمرت حركة تسويق القات بين المحافظات على حالها، بل تجاوزت تجارتها كل المخاطر الأمنية الناتجة من سيطرة تنظيمي «القاعدة» و«داعش» على عدد من المحافظات الجنوبية، التي يُصدر إليها القات من المحافظات الشمالية.
ومنذ انسحاب الجيش و«اللجان الشعبية» من عدد من المحافظات الجنوبية في آب الماضي، بقيت إمدادات القات إلى محافظات عدن ولحج وأبين مستمرة، ولم يتعرض مسوّقو القات الذين ينتمون إلى المحافظات الشمالية إلى انتهاكات كبيرة، خلافاً للعاملين في المجالات الأخرى. ومؤخراً، عاد «القاعدة» عن قراره منع بيع القات وتعاطيه في مدينة المكلا، عاصمة محافظة حضرموت، بعدما كان قد منع سابقاً تعاطي النبتة مع عقوبات على المخالفين. فعادت أسواق القات إلى المكلا بعد أشهر على استحداث أسواق بعيدة عن أعين التنظيم الذي كان يصادر أيّ كميات معروضة من النبتة للبيع في أسواقها ومعاقبة متعاطيها.

لا تزال هذه النبتة تصل إلى السعودية رغم المواجهات الحدودية

أكثر من ذلك، تجاوزت إمدادات القات كل المخاطر البرية والبحرية والحصار؛ فعلى مدى الأشهر الماضية من العدوان وفرض الحظر الجوي واستهداف المطارات، وهو ما تسبب في توقف وصول القات إلى جزيرة سقطرى الواقعة في قلب المحيط الهندي، استخدم تجار القات الزوارق السريعة لإمداد أسواق الجزيرة بالنبتة.
وتشير الأرقام الصادرة عن الأجهزة الرسمية إلى ارتفاع استهلاك القات إلى أعلى المستويات، مشيرة إلى أن نحو سبعة ملايين يمني يتناولون القات، بينهم نصف مليون يدخنون السجائر أثناء التعاطي. ووفقاً لتقارير حكومية، فإن الإنفاق على القات احتل في السنوات الأخيرة المرتبة الثانية بعد الإنفاق على الغذاء. ويؤكد مركز «الشفافية للدراسات والبحوث» (غير حكومي)، في آخر تقاريره، أن اليمنيين ينفقون على القات سنوياً نحو أربعة مليارات دولار (772 مليار ريال يمني).

زراعة القات «تتطور»

نظراً إلى ارتفاع العائد المالي للقات، تشرح البيانات نمو زراعة النبتة بنسبة تتراوح بين 9 و10% سنوياً على حساب المحاصيل الأخرى. وتذكر بيانات صادرة عن «الإدارة العامة للإحصاء الزراعي» في وزارة الزراعة، أن زراعة هذه النبتة تتسع سنوياً بمعدل أربعة إلى ستة آلاف هكتار سنوياً، موضحة أن المساحات المزروعة بها ارتفعت 21 ضعفاً عمّا كانت عليه في سبعينيات القرن الماضي، وشملت 18 محافظة يمنية. ووصلت المساحات المزروعة بالقات إلى 169 ألف هكتار العام قبل الماضي، كذلك أشارت البيانات الرسمية إلى ارتفاع إنتاج القات من 177 ألف طن عام 2010 إلى 191 ألف طن في 2014، وبإنتاجية 1،1 طن لكل هكتار.
ويرى اقتصاديون أن التوسع المتنامي في زراعة القات أحد الأسباب التي تقف وراء تدني قدرة القطاع الزراعي في اليمن على تحقيق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الزراعية والحبوب، وكذلك التقليل من نسبة الفجوة الغذائية الواسعة بين الإنتاج والاستهلاك. ورغم الأضرار الاقتصادية للقات على موازنة الأسرة اليمنية، فإن له إيجابيات على الاقتصاد اليمني، لأن زراعته وتجارته عمليتان تساهمان في ما يزيد على 10% من الناتج المحلي الإجمالي. وتوفر كذلك فرص عمل لـ14% من السكان القادرين على العمل، كذلك يعمل 33% من مجموع المزارعين في زراعة القات وتسويقه. وتساهم تجارة القات في انتقال السيولة المالية من المدن الرئيسية إلى الأرياف في مختلف المحافظات، إضافة إلى أن قيمة الضرائب التي تحصل عليها الدولة من مبيعات القات تصل إلى مليارات الدولارات سنوياً.

القات يغزو السعودية

رغم «تحريم وتجريم» السلطات السعودية استهلاك القات في المملكة، فإن تجارة النبتة اليمنية لم تتأثر وبقيت تصدر بطريقة غير شرعية إلى مختلف مناطقها وبكميات كبيرة، مع أن المخاطر الكبيرة حاضرة نتيجة تواصل المواجهات في المناطق الحدودية في جيزان ونجران وعسير. وأكد تقرير حديث لـ«المديرية العامة لحرس الحدود السعودية»، ارتفاع تهريب القات إلى السعودية بأضعاف ما كان عليه خلال السنوات الماضية. وأوضح التقرير أن مضبوطات القات ارتفعت إلى 15 مليون كيلوغرام العام الماضي، مشيراً إلى أن المضبوطات خلال الأشهر الماضية من العام الماضي تباينت ما بين 200 و250 ألف كيلوغرام من القات الآتي من الأراضي اليمنية.