يبدو أن محكمة النقض، وهي أعلى جهة قضائية مصرية، لا ترغب في إصدار حكم نهائي بحق الرئيس الأسبق حسني مبارك، المتهم بالتحريض على قتل المتظاهرين خلال ثورة 25 يناير. فقد أرجأت المحكمة النظر في القضية حتى جلسة الثالث من تشرين الثاني المقبل، ليمر نحو 18 شهراً من دون اتخاذها أي إجراءات فعليّة في القضية، بل تصرّ على حضور المتهم إلى مقر انعقادها في دار القضاء العالي، وسط القاهرة.
هذه المماطلة أظهرها، أيضاً، رفض المحكمة مقترح وزارة الداخلية المصرية، التي عرضت تأمين انعقاد الجلسة في مقر «أكاديمية الشرطة» في ضاحية القاهرة الجديدة، باعتبارها المكان الأكثر أمناً، ويمكن كذلك نقل مبارك إليها على متن طائرة، بسبب تعذر نقله بسيارة إسعاف، نظراً إلى حالته الصحية.

استنادات محامي مبارك قد تفيد فريق الدفاع عن مرسي

ومنذ بداية التحقيقات مع مبارك، عقب إجباره على التنحّي إبّان الثورة بعدما بقي رئيساً لمدة 30 عاماً تقريباً، وهو يتنقل بين المستشفيات المختلفة من شرم الشيخ إلى «المركز الطبي العالمي»، مروراً بمستشفى سجن طره، والذي جهّز له فيه جناح خاص، انتهاءً بمستشفى المعادي العسكري الذي يقيم فيه منذ عامين تقريباً متمعتاً بجناح يطل على النيل. وترافقه زوجته سوزان ثابت، فضلاً عن زيارة نجليه وبعض محبّيه من وقت إلى آخر.
رغم التحسّن الواضح الذي طرأ على حالته الصحية خلال الشهور الماضية، فإن «الداخلية» تصرّ على تقديم التقارير الطبية إلى المحكمة، وتؤكد فيها ضرورة نقله بسيارة إسعاف لحضور جلسة محاكمته، برفقة الأطباء. كذلك تصرّ على استحالة نقله إلى مقر المحكمة في دار القضاء العالي في منطقة وسط البلد، لـ«دواع أمنية»، فيما يحرص أنصار الرجل على حضور جلسات المحاكمة، وتوجيه الإساءة إلى الثورة التي أطاحته.
تاريخياً، لم تنتقل محكمة النقض من مقر انعقادها وسط القاهرة للنظر في أيّ قضية، فقد جرت العادة أن تُتّبع إجراءات أمنية مشددة في الجلسات، وهو ما يحدث في محاكمة كبار مسؤولي نظام مبارك حتى الآن. والمحكمة التي تصير أحكامها باتة ونهائية، لا يجوز الطعن فيها أمام أي جهة أخرى، تتمسك بحضور مبارك أمامها قبل النظر في الدعوى، وهو أمر نص عليه القانون، علماً بأن هذا القانون نفسه يحمل أيضاً تسهيلاً يمكّنها من النظر في الدعوى من دون حضور المتهم في حال وجد ما يمنع حضوره بشخصه أمامها، وهو الشرط الذي توافر بالفعل لدواعٍ أمنية وصحية.
ويرى بعض خبراء القانون في موقف المحكمة، اعتبار «أكاديمية الشرطة» مكاناً غير محايد، ثغرة للطعن في جميع الأحكام الصادرة عن دوائر قضائية تنتقل إلى هناك، وفي مقدمتها المحاكمة التي تجرى للرئيس الأسبق محمد مرسي، كذلك فإن الحكم الذي يتوقع كثيرون أن ينتهي بتبرئة مبارك نظراً إلى غياب الأدلة وتبرئة وزير الداخلية آنذاك، حبيب العادلي، في القضية نفسها سابقاً أمام «النقض»، يجعل حيثيات الحكم المتوقع مثيرة للجدل، بل يمكنها أن تكون أداة يستند إليها دفاع مرسي لتبرئته من قضايا قتل المتظاهرين قبل «30 يونيو».
وفي مرافعته الثانية، حرص محامي مبارك، فريد الديب، على تأكيد «عدم مسؤولية الرئيس عن وقائع القتل ما دام لم يصدر أوامر بالقتل»، على غرار ما حدث لاحقاً من أحداث خلال حكم السلطات المتعاقبة، وهو مضمون المرافعة نفسه الذي أعدّه ليقدمه إلى «النقض». وسيطلب من المحكمة الاستماع إلى قيادات رفيعة في الدولة، إضافة إلى قياس أحداث مشابهة، خصوصاً التي وقعت خلال حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي.
يدافع الديب عن مبارك واثقاً من البراءة، لأنه لم يدن أيّ من مسؤولي «الداخلية» السابقين في قتل المتظاهرين، إضافة إلى شهادة المشير الطنطاوي ومعه مسؤولو «المخابرات»، الذين يؤكدون أنه لم تصدر أوامر بقتل المتظاهرين، ليبقى المتهم الرئيسي بقتل المتظاهرين مجهولاً حتى الآن!
بالعودة إلى القضية، ترى دوائر قضائية أن محكمة النقض تراهن على إطالة أمد القضية التي لا يلزمها القانون بالفصل فيها خلال مدة زمنية محددة، لتسقط بالتقادم في حال وفاة مبارك، ما يعني غلق الملف بانقضاء الدعوى الجنائية لوفاة المتهم. فهل ما يحدث من سجال بين «الداخلية» و«النقض» لعبة سياسية... أم ان المحكمة تبحث عن هيبتها فقط؟
(الأخبار)