القاهرة ــ الأخبار
يتأكد يوماً بعد يوم أن صراع الأجهزة الأمنية المصرية الطاغي على التحقيق في قضية مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، بات سبباً رئيسياً في تفاقم الأزمة مع روما، التي سحبت سفيرها للتشاور، بالتزامن مع وجود وفد أمني مصري هناك، لعرض آخر ما توصلت إليه نتائج التحقيقات الجارية منذ نحو شهرين. وازدياد الموقف تعقيداً لم يكن مرتبطاً بقرب الانتخابات الإيطالية وتحوّل قضية ريجيني إلى مشهد رسمي في روما، بل أكثر ما استفزّ الإيطاليين هو التصريحات والمعلومات المتضاربة التي تلقوها من الأجهزة المصرية.
والسبب الأول لتضارب المعلومات، غياب التنسيق في مصر بين الأجهزة التي تتواصل مع السفارة الإيطالية، فضلاً عن تحميل «المخابرات العامة» النتائج السيئة التي آلت إليها علاقة البلدين، على «تصرفات وزارة الداخلية غير الصحيحة»، كما تقول مصادر أمنية لـ«الأخبار».
فقبل أسابيع، أعلن وزير العدل السابق المستشار أحمد الزند بطريقة غير مباشرة وعبر لقاء تليفزيوني قبل ساعات من إقالته، أن تقرير الطب الشرعي في تشريح جثة ريجيني أثبت تعرضه للتعذيب، مبدياً تأييده رواية تعذيبه داخل أحد المقارّ الأمنية قبل وفاته وإلقائه في إحدى الطرق الصحراوية، حيث اختفى قبل العثور على جثته بأسبوعين تقريباً.

رفضت القاهرة تسليم تسجيلات اتصالات وكاميرات مراقبة لروما

من ثم جاءت محاولات «الداخلية» لتصوير الحادث في البداية باعتباره «حادث سير فردياً»، ولكنها رواية لم تكن منطقية في ظل آثار التعذيب الواضحة على جثة ريجيني التي أصرّ السفير الإيطالي لدى القاهرة على مشاهدتها قبل بدء عملية التشريح، ولاحقاً نقلت إلى روما حيث جرت معاينتها مرة أخرى قبل دفنه.
تحركات «الداخلية» لاحتواء القضية زادت الأمر تعقيداً، برغم تفضيل صناع القرار الاستماع إلى وجهة نظر مسؤولي الأمن في الوزارة عن تقرير «المخابرات العامة» الذي نصح من البداية بضرورة تقديم الجاني الحقيقي من رجال الشرطة تجنياً للتصعيد، مع توفير إجراءات تضمن تخفيف الحكم وظروفاً أفضل في تطبيق العقاب، وهو الطلب الذي رفضته الوزارة كلياً، ما سبّب صراعاً معلناً بينها وبين «المخابرات»، لم يتمكن الطرفان من احتوائه، برغم تحذير سياسيين من تأثر العلاقات مع إيطاليا، ما لم تحل القضية بسرعة.
وتفاصيل الصراع المسكوت عنه بين الجانبين صارت شبه معلنة، فكل طرف يسرب معلومات للمحسوبين عليه تدعم موقفه: «الداخلية» تؤكد أن الأمور في طريقها إلى الحل، و«المخابرات» تؤكد ازدياد القضية تعقيداً.
حتى تصفية خمسة أشخاص وجهت إليهم وزارة الداخلية تهمة قتل ريجيني، بعدما ادعت العثور على بعض متعلقاته معهم، لم تكن كافية لإغلاق الملف؛ المتهمون، الذين اتضح لاحقاً أن غالبيتهم ليست لهم علاقة بالموضوع، لم يركز عليهم الوفد المصري في مناقشاته مع الجانب الإيطالي.
ومن ضمن ألفي ورقة قدمتها القاهرة إلى روما حول القضية، لم تتوافر معلومات مهمة طلبتها الأخيرة، خاصة تسجيلات المكالمات الهاتفية في منطقة الدقي، مكان الظهور الأخير لريجيني قبل اختفائه. لكن النائب العام المساعد، مصطفى سليمان، أعلن رفض مصر هذا الطلب «التزاماً بالحفاظ على خصوصية المكالمات وعدم دستورية الطلب»!
ومن المعلومات المطلوبة أيضاً محتوى كاميرات المراقبة في المنطقة المذكورة وتتبع الأرقام الموجودة على هاتف ريجيني، وهي إجراءات برغم سهولتها نسبياً في ظل «تسخير كافة إمكانات الداخلية للوصول إلى القاتل»، فإن المحققين لم يفعلوها، ما يثير تساؤلات عن التخوف من تقديمها بسبب حملها دلالة تكشف المتورط في القتل، خاصة أن مصادر عدة تتحدث عن تورط رئيس مباحث الجيزة، اللواء خالد شلبي، في تعذيب الشاب الإيطالي قبل مقتله، وهو اللواء الذي ترأس فريق البحث عن المتهم ولم يسافر ضمن الوفد إلى إيطاليا، بل اكتفى بإرساله نائبه.
السفير المصري الأسبق لدى روما، أشرف راشد، قال لـ«الأخبار»، إن «على الإيطاليين التفكير جيداً قبل اتخاذ أي إجراءات تصعيدية، خاصة أن هناك علاقات تاريخية ومصالح متبادلة»، مستدركاً: «هناك إجراءات اقتصادية أخرى قد تتخذها روما، وهو ما يتطلب سرعة التحقيق وكشف القاتل الحقيقي».