رام الله ــ الأخبار  
تتصاعد وتيرة الاحتجاجات النقابية والحقوقية في الأراضي الفلسطينية، في أعقاب تصديق رئيس السلطة، محمود عباس، على قانون الضمان الاجتماعي، الذي يعني بصورته الأخيرة سحق الفقراء مقابل ترفيه رأس المال. وشهدت مدينة رام الله قبل أيام لقاءً موسّعاً بمشاركة ممثلي الاتحادات العماليّة والمنظمات الأهلية وأعضاء من المجلس التشريعي، للاعتراض على الصيغة النهائية لقانون الضمان، الذي التفّت فيه حكومة رامي الحمدالله على «الفريق الوطني»، وهو اللجنة الموكّلة بإعداد القانون وصياغته.
وتبين أن الحكومة شطبت مواد وأضافت أخرى دون علم الفريق وموافقته، فيما رفض الحقوقيون وممثلو الاتحادات العماليّة القانون باعتباره «مجحفاً»، لأنه لا يحقق للعمال وللموظفين الذين شملوا فيه الحد الأدنى من الضمانات التي تحفظ حقوقهم في حالات العجز والشيخوخة، وفق رأيهم.
المشكلة ليست وليدة الساعة، بل نتيجة عملية تراكمية تخلّلها بقاء التفاصيل الأساسية طي الكتمان طوال المناقشات المتعلقة بالقانون. وقالت مصادر نقابية لـ«الأخبار» إن عرّاب الصيغة الحالية للقانون هو رئيس مجلس إدارة «هيئة التقاعد» وعضو اللجنة التنفيذية لحركة «فتح»، أحمد مجدلاني، وإن الأخير (شغل منصب وزير العمل سابقاً) هو الذي أقنع عباس بإقرار القانون وتوقيعه. لكن السلطة غفلت عن أن المناطق الخاضعة لسيطرتها لا تزال تحت الاحتلال وبلا سيادة، وأن «الطبقة العاملة جزء من شعب أثقله العدو بالعذابات على مدار 67 عاماً، فسعت بالقانون إلى دعم القطاع الخاص ورأس المال على حساب العمّال الفقراء»، تضيف المصادر.

القانون يستثني الفئات الاجتماعية التي تنقصها الحماية

وتحدث سابقاً خبراء قانونيون عن أن أكثر من 40% من قرارات السلطة (في سنوات الانقسام) لا تعبّر عن أولويات المجتمع الفلسطيني، بمقدار ما تصبّ في خدمة المتنفذين الاقتصاديين والشركات الكبرى. و«الضمان الاجتماعي» الذي يجري الحديث عنه، ينطبق على العمال وموظفي هيئات الحكم المحلي والهيئات الدولية والإقليمية، ومستخدمي المنازل ومن هم في حكمهم.
وتتمثل نقاط الاحتجاج في كونه يستثني الفئات الاجتماعية التي هي بأمسّ الحاجة إلى الحماية، في مقدمتهم العاطلون من العمل وغالبيتهم من الشباب، وكذلك النساء والأطفال وذوو الاحتياجات الخاصة وكبار السن والمرضى، الذين لهم الحق في الحماية الاجتماعية.
كذلك لا يحتسب القانون راتب الوفاة الطبيعية من بداية الالتحاق بالضمان، ففي حال وفاة العامل قبل دفعه القسط الـ24، فإنه لن يحصل على راتب تقاعده. كذلك تغيب بنود الحماية من المرض، والتأمين الصحي، والإجازات المرضية.
من ناحية ثانية، يعمّق القانون الفجوة بين العاملين في القطاع العام والخاص، ففيما يشعر موظفو «العام» بأمن وظيفي، لا يحصل على ذلك عمال القطاعين الخاص والأهلي، وفي أحسن الأحوال، يحتاج تطبيقه عليهم 10 ــ 15 عاماً. بعبارة أخرى، سيكون أكثر من 75% من العمال والموظفين (أي أكثر من 62 ألفاً) خارج تغطية القانون.
واللافت كان استثناء موظفي غزة وعمالها، وهذا مؤشر إضافي على تعزيز الانقسام الذي ينادي بإنهائه رئيس السلطة، فيما يعمل من جهة أخرى على التواطؤ مع رؤوس القطاع الخاص؛ فقد أعفى كل منهما الآخر من تحمل مسؤولية توفير حماية اجتماعية للموظفين. وبموجب القانون، لا تتجاوز مساهمة أرباب العمل في مكافأة نهاية الخدمة (8.5%)، بالإضافة إلى الاقتطاعات التي ستبلغ 7.5% من أجور العاملين المتدنية أصلاً لهذا الصندوق، أي إن أتعاب العاملين هي التي ستحول من جانبهم فقط، وبهذا يكون العمّال هم من يمولون الضمان الاجتماعي.
وبينما ترفض السلطة أن تكون الضامن النهائي لـ«الضمان الاجتماعي»، فهي تفتح الأبواب أمام سرقة أموال الصندوق أو سوء إداراتها، لأن الحكومة شطبت البند المتعلق بهذه النقطة من مسوّدة القانون، وهذا يعني أيضاً أنها ترفع يدها عن تغطية العجز الذي سيلحق بالصندوق عاجلاً أو آجلاً، وفق نتائج «الدراسة الاكتوارية الوطنية» التي أجراها خبراء اقتصاديون على صيغة القانون.
وعلمت «الأخبار» من مصادر خاصة أنه بالتزامن مع إقرار القانون، تتجه حكومة الحمدالله إلى «ترشيد نفقات المساعدات التي تقدمها وزارة الشؤون الاجتماعية، والمتمثلة بـ200 دولار أميركي تصرف كل ثلاثة أشهر»، وهذا يعني بقاء الأسر الفقيرة جداً متزاحمةً على أبواب الوزارة، لإثبات تطبيق معايير البنك الدولي عليها، بدلاً من عمل رام الله على خفض نفقات نثريات وزرائها وكبار مسؤوليها.
أما عن الذين يعملون في فلسطين المحتلة، فأفرد القانون الجديد نظاماً خاصاً بتأسيس شركة ربحية يشرف على إدارتها القطاع الخاص، وبموجبها تحوّل مستحقات العاملين في إسرائيل منذ 1970 حتى يومنا هذا إلى الصندوق، وهي تقدر بخمسة مليارات دولار حتى بدء حكم السلطة في 1994؛ والهدف من ذلك هو استثمار هذه الأموال عبر الشركة الربحية، التي ستحول إليها أيضاً مدخرات وصناديق التوفير الموجودة في منشآت القطاع الخاص، الأمر الذي يثير شكوك الغالبية الساحقة من العمال المطبق عليهم القانون.