القاهرة | بعد قرار لجنة حصر وإدارة أموال الإخوان التحفّظ على 66 شركة من الشركات التّابعة للجماعة، باتت أغلب الشركات الكبرى المملوكة لأعضاء جماعة الإخوان المسلمين تحت حصار الحكومة المصريّة تنفيذاً للحكم الصّادر عن محكمة الأمور المستعجلة بحظر أنشطة الجماعة، وقرار آخر يقضي بتحويل أصول وممتلكات الإخوان إلى أحد الصّناديق الوطنيّة التي تخدم مصر اقتصاديّاً وتنمويّاً.


يقول المحلل الاقتصادي، وائل منير عبد الكريم: «إنه على الرغم من أن قرار محكمة عابدين، فرض الحظر على تنظيم الإخوان، إلا أن ذلك الأمر بات مهمة شبه مستحيلة. لأن أموال التنظيم مسجلة بأسماء بعض القيادات والأعضاء خارج التنظيم، ما يجعل من الصعب تتبعها والتحفظ عليها. كذلك فإن الجماعة ضخت خلال السنوات الماضية ملايين الجنيهات فى مدارس إخوانية، بالإضافة إلى شركات ومصانع بأسماء قيادات الإخوان على الورق».

ثلاثة مليارات جنيه حجم استثمارات الجماعة في مصر خلال السنوات الثلاث الأخيرة
وأوضح عبدالكريم أن «الأموال كانت للتنظيم، وأسماء أصحابها مجرد لافتة فقط». هذا الأمر ينطبق على تبرعات الجماعة، التي تصل إلى 10% من دخل العضو. واستطاع الإخوان ضخّها في شركات داخل وخارج مصر، إضافة إلى تبرعات التنظيم الدولي. ومن ضمن تلك المدارس التابعة للتنظيم، مدارس «جنى دان» المملوكة للمهندس خيرت الشاطر، وتديرها ابنته خديجة، ومدرسة أمجاد، في المعادي المملوكة لكاميليا العربي، شقيقة وجدي العربي، والتي تمتلك داراً للأيتام أيضاً. وهناك مدرسة «المقطّم» الدوليّة المملوكة للمهندس عدلي القزاز (مستشار وزير التعليم)، ومدرسة زهراء الأندلس في منطقة فيصل بالجيزة، ويديرها رجل أعمال إخواني، ومدارس فضل الحديثة في الجيزة المملوكة لمحمد فضل، صهر عصام العريان، ومدرسة تاجان في منطقة التجمّع بمدينة نصر، ومدارس طيبة في مدينة نصر، ومدارس الصحابة في حلوان والمعادي، وغيرها من المدراس في المحافظات، منها مدارس الهدى والنور فى الدقهلية، والدعوة الإسلامية في بنى سويف، ورياض الصالحين في المنوفية، والجيل المسلم في الاسكندرية، والفتح في بنها، والدعاة في السويس، ودار حرّاء في أسيوط.
ولفت عبدالكريم إلى أن هذه المدارس ساهمت في استقرار العائد السنوي للجماعة، نظراً لضخها نسبة 40% من الإيرادات السنوية لاسثتمارات الجماعة في مصر فقط، والتي بلغت خلال السنوات الثلاث الماضية حوالي 3 مليارات جنيه، بمعدل مليار جنيه كل عام (وفق المستندات التي كشفت عنها تحقيقات الكسب غير المشروع مع قيادات الإخوان عقب القبض عليهم بعد فض اعتصام رابعة).
إنّ عمليات الاستيلاء أو الحجز على مشاريع الإخوان يعتبر مخالفة للدستور المعدل في عام 2014

وقال عبد الكريم في توضيحه لـ «الأخبار» إن «تمثل شركات المقاولات النوع الثاني من شركات الجماعة التي تدرّ عوائد ثابتة سنوياً، وتتضمّن شركة «المدائن» التي يمتلكها ممدوح الحسيني وأحمد شوشة، وشركة «آل الحداد» المملوكة لمدحت الحدّاد في الاسكندرية، والمعارض التابعة لها وهي معارض «استقبال» لصاحبها خيرت الشاطر، ومعرض «انتربيلد» لصاحبها الحداد، وجميعهم قادة من الصفوف الأولى للإخوان»، مذكّراً بأن اقتصاد الإخوان دخل خلال السنوات العشر الأخيرة حيّز الاستثمار في الأثاث والغذاء والسيارات، وخصوصاً في دمياط، وامتلاك محال كبيرة لمسؤول المكتب الإدارى هناك احمد زهران، وفي مصر بالمنطقة الصناعية في العاشر من رمضان، وإقامة مصنع جهينة لمالكه صفوان ثابت، ومعرض سعودي للسيارات، المملوك لقياديين في الجماعة، هما عبد المنعم سعودي، وابن أخيه عبد الرحمن سعودي.
ومن أبرز شركات «الإخوان» شركة رواج لاستيراد وتصدير الأجهزة المنزلية، وتوكيل ملابس سرار، وشركة «مادوك وداليدرس»، وشركة دانيال كريموه، وشركة الأنوار للتجارة والتوكيلات، وشركة الفجر لتجارة الخيوط والمنسوجات، والشركة الدولية للأدوية والعلاج البديل، ودار الطباعة والنشر الإسلامية، وشركة مالك لتجارة الملابس الجاهزة، وشركة الشهاب للسيارات.
الدكتورة في الاقتصاد الجزئي في جامعة بور سعيد، أمينة رشيد قالت: «إنّه رغم صعوبة تنفيذ قرار التحفظ، إلا أن الأنباء التي تواترت حول تحويل ملكية هذه الأصول والممتلكات إلى أحد الحسابات الوطنية يعد ضربة قاصمة في ظهر الإخوان، وخصوصاً أن التنظيم أدمن العمل تحت الأرض منذ سنوات، ولم يُظهر إلا بعض نشاطاته إثر ثورة يناير، ومعنى التحفظ أن هناك الكثير من المستندات ستظهر، وستنكشف كل الأرقام الحقيقية لتجارة الإخوان في السوق السوداء بمصر، وبخاصة تجارة العملة التي استحوذت عليها الجماعة الإخوانية عقب اندلاع ثورة يناير»، مشيرةً إلى تسجيل أول قضية لترويج عملات مزيفة عقب اندلاع الثورة عام 2011، والتي سجلت باسم خيرت الشاطر لصالح مجموعة فلسطينية.
نصف مليار جنيه دخل الجماعة سنوياً من اشتراكات الأعضاء فقط

أما الخبير الاقتصادي (محلل أسواق مال)، أمين عبد العليم فقال: «إن قرار الحكومة بضم ممتلكات الإخوان إلى صناديق تخدم بناء مصر، هدفه بثّ رسائل لإخافة المستثمرين في السوق الخارجية»، مشيراً في حديث لـ «الأخبار» إلى أن «عمليات الاستيلاء أو الحجز على مشاريع «الإخوان» يعتبر مخالفة للدستور المعدل في عام 2014». وتابع: «المادة 33 تكفل جميع أنواع الحماية للمستثمرين، كما أن المادتين رقم 35 و40 في الدستور تنصان على حماية الأموال الخاصة، وحظر مصادرتها بدافع قانوني أو غيره». وأوض عبدالعليم أن قانون الاستثمار لسنة 1997، ينص على الآتي: «لا يجوز بالطرق الإدارية فرض الحراسة أو الاستيلاء أو التحفظ على أموال خاصة بالشركات أو الأفراد»، لافتاً إلى أن محكمة القضاء الإداري (المعنية بنظر صحة أو خطأ القرارات الحكومية) قضت في 24 حزيران الماضي بوقف القرار الصادر من لجنة حصر أموال «الإخوان»، وعدم الاعتداد بقرارات الحكم الصادر في أيلول الماضي، وهو الحكم الذي طعنت به اللجنة واستمرت في حصر الأموال لتسليمها إلى الوزارة.
مصدر في اتحاد الغرف التجارية (فضل عدم ذكر اسمه) قال لـ «الأخبار»:«بداية الأمر، التحفظ أمرٌ طبيعي نظراً لخروج الجماعة الإخوانية عن مسار العمل الدعوي، وخلط أوراق اقتصادية بأخرى سياسية وهو السبب في نهايتهم السريعة في مصر. كذلك قيامهم بتفاوضات مع رجال الأعمال التابعين للحزب الوطني من أجل السيطرة على استثماراتهم مقابل خروجهم من السجون». في حين رأى مصدر آخر في اتحاد غرفة الجيزة أن هذه القرارات ستضر بمناخ الاستثمار في مصر، وتخيف المستثمرين، وتضع علامة سوداء في جبين الاقتصاد المصري، وخاصة أن هذه الاستثمارات كانت تضم مجموعات من العمالة المهددة بالتشرد حالياً.
وعن ميزانية الجماعة يقول أستاذ الإحصاء في جامعة بنها، الدكتور راشد البنّا: «إن اللائحة الداخلية للجماعة تلزم كل أخ بتسديد اشتراك شهري، يدفعه تقرباً لله وعبادةً له، يرفع به شأن جماعته الساعية إلى (تطبيق الإسلام)، كما أن الأخ يقوم طواعية بسداد زكاة المال لجماعته، لتصريفها في الوجه الشرعي الذي ترتئيه. وإذا كانت جماعة الإخوان لا تزال تخفي حجم ميزانيتها، وتطور العضوية فيها (حتى إن معظم، بل غالبية أفراد الإخوان لا يعلمون شيئاً عن أموالها)، فإننا سنضطر إلى الحديث بشكل تقريبي. يبلغ حجم اشتراكات أعضاء الجماعة ـ وهو البند الأول في ميزانية الجماعة ـ ما يقارب نصف مليار جنيه سنوياً، يدفعها 400 ألف عضو عامل منتظم (وفقاً لآخر إحصاء داخلي في الجماعة لسنة 2008). وليس كل عضو بطبيعة الحال يسدد الاشتراك الشهري، إذ توجد ثلاث فئات إخوانية يتم إعفاؤها من سداد الاشتراكات. الفئة الأولى: هن عضوات قسم الأخوات في الجماعة، إلا أنه ليس هناك ما يمنع من أن تقوم الأخت بسداد تبرعات اختيارية لدعم الأنشطة الإخوانية. أما الفئة الثانية فهم الطلبة الذين يصل عددهم إلى نحو 30 ألف طالب إخواني تقريباً. بالإضافة إلى عدد متغير من فقراء الإخوان يصل أحيانًا إلى خمسة آلاف عضو. وتصل قيمة الاشتراك الشهري الذي تحدده لائحة الجماعة إلى 8% من إجمالي الدخل الشهري للعضو، يقوم بسدادها أول كل شهر، وبالتالي، ونظراً لتفاوت الدخول بين أعضاء الجماعة، فإن قيمة هذه الاشتراكات الشهرية دائماً ما تأتي متفاوتة، حتى إن الفرد نفسه أحياناً يسدد قيمة ما، فيما يسدد قيمة مختلفة في أحيان أخرى، وبحسبة بسيطة نجد أن متوسط الاشتراك الشهري لعضو الجماعة يصل في الغالب إلى مئة جنيه، وأحياناً مئة وعشرين جنيهاً، فإذا ما قمنا باستبعاد الطلبة والفقراء يكون دخل الجماعة الشهري ما يقارب 40 مليون جنيه، أي نصف مليار جنيه سنوياً كدخل ثابت للجماعة من اشتراكات الأعضاء فقط». وينهي البنّا حديثه: «هذه الأموال كلها سيتم تقييدها وتحويلها، سواءً كانت فى صورة ممتلكات، أو سيولة نقدية، إلى أحد الصناديق الوطنية. وهو ما يؤكد أن السلطة المصرية الحالية هدفها الوحيد هو بناء مصر، وإتاحة الفرصة لمن يتصالح وطنياً مع بلده، لبنائها مع المصريين. وهو ما سيجعل الإخوان يزيدون من حجم شراستهم في الفترة المقبلة».