الجزائر | تساؤلات عديدة يطرحها الشارع الجزائري عن صحة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، مع استمرار غيابه عن الظهور منذ الانتخابات الرئاسية في 17 نيسان الماضي. وعلى الرغم من ظهور صور استقبال الرئيس الأسبوع الماضي للمندوب الأممي إلى سوريا السابق، الأخضر الإبراهيمي وهو بوضع جيد، إلا أن حدّة التساؤلات عن صحة الرئيس لا تزال ترتفع مع كل طول غياب عن المشهد السياسي في البلاد، مع ما يرافقه من شائعات، تارة حول وفاته، وأخرى حول تدهور صحته ونقله إلى مستشفى «فال دو غراس» على جناح السرعة، ومرات بوجوده رهينة لدى شقيقه السعيد، المستشار في رئاسة الجمهورية.

وككل مرة، وبعد انتشار الشائعة حول مصير بوتفليقة، تسارع رئاسة الجمهورية إلى إبطال مفعولها، بطريقة اعتادها الجزائريون شعبياً وسياسياً، وذلك من طريق إصدار بيان لنشاط قام به بوتفليقة، أو إظهاره عبر التلفزيون الحكومي، وهو يستقبل شخصية جزائرية أو أجنبية، في محاولة لإظهار أن الرئيس في صحة جيدة ويمارس مهماته بانتظام. غير أن العارفين بخبايا ما يحدث في هرم السلطة وفي رئاسة الجمهورية يرون أن الأمور لا تسير وفق ما ينص عليه الدستور الجزائري، وأن هناك حقيقة صراع بين رجالات الظل حول خليفة بوتفليقة الذي تؤكد كل التقارير والصور والممارسات أنه ليس في صحة تسمح له بممارسة مهماته والاستمرار في منصبه.
ويغلب الحديث عن وجود صراع بين الأجنحة في هرم السلطة حول خليفته، بدليل ما صرح به الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند، بعد اختطاف الرهينة الفرنسي واغتياله، هيرفيه غورديل في وسط الجزائر من قبل تنظيم «جند الخلافة في ارض الجزائر»، حين قال إن بوتفليقة لا يستطيع الكلام، في رده على سؤال أحد الصحافيين الفرنسيين عن تواصله مع الوزير الأول في الجزائر، عبد المالك سلال بدل الرئيس في شأن التحقيق في اغتيال غورديل.

عريضة لجمع مليون توقيع لكشف حقيقة الوضع الصحي لبوتفليقة

هشام عبود، الضابط السابق في جهاز الاستخبارات الجزائرية، أوضح أن الجزائر تعيش منذ سنوات، حالة شلل تام على مستوى أعلى هرم السلطة، إذ منذ منتصف الولاية الثالثة لرئاسة عبد العزيز بوتفليقة التي بدأت في 2009، سجلت له غيابات لأكثر من شهر في كل مرة، من دون أن يعلم الشعب الجزائري أين يوجد رئيسه. وأضاف عبود، في تصريح لـ«الأخبار»، من مقر إقامته في فرنسا، أن بوتفليقة منذ أصابته بجلطة دماغية في 27 نيسان 2013، غاب تماماً عن المشهد السياسي باستثناء بعض الطلات الإعلامية المفبركة من طرف القناة الحكومية، مبرزاً أنه منذ آخر كلمة ألقاها بوتفليقة على الشعب الجزائري يوم 8 أيار 2012، لم يتوجه الرئيس بكلمة أو بخطاب للجزائريين، رغم تعدد المناسبات، خاصة الاحتفال بالذكرى الخمسين للاستقلال.
ولفت عبود إلى أنه منذ إعادة انتخاب بوتفليقة لولاية رابعة، غاب الرئيس عن كل المراسيم البروتوكولية، ولم يظهر عنه أي خبر، ما يثير الشائعات حول وضعه الصحي مثلما حصل خلال الأسابيع الأخيرة، عندما راجت شائعات كثيرة في الشارع الجزائري وصلت حد الإعلان عن وفاته.

وأوضح عبود أن المسؤولين الجزائريين يعملون على تكريس التعتيم الإعلامي حول الوضع الصحي للرئيس، ويكتفون بين الفينة والأخرى بعرض صور له مثلما حصل حين عرضت صوره وهو يستبقل الأخضر الإبراهيمي.
وشدد عبود على أن غياب الرئيس عن الساحة السياسية يكلف الجزائر الكثير، سواء على الصعيد الداخلي، حيث «نسجل انسياباً كاملاً للمؤسسات»، وعلى الصعيد الخارجي، إذ فقدت الجزائر المكانة التي كانت تتمتع بها في المحافل الدولية.
ظهور بوتفليقة أخيراً، على التلفزيون الحكومي، دفع ناشطين جزائريين إلى إطلاق حملة دعائية لجمع مليون توقيع لمطالبة المجلس الدستوري بإثبات صحة الرئيس، الذي يرون أنها لا تسمح له بأداء مهماته، والضغط على البرلمان الجزائري لإعلان حالة شغور منصب رئيس الجمهورية، وضرورة تطبيق المادة 88 من الدستور التي تقضي بتنحية الرئيس في حال عجزه الصحي. وقالوا، في عريضة نشروها على موقع منظمة «افاز» العالمي، «نحن جزائريون، ندعو المجلس الدستوري للقيام بمهامه الدستورية والتأكد من صحة الرئيس بوتفليقة».
وأوضحت العريضة أن الجزائر تمرّ بمرحلة عصيبة من تاريخها، بسبب شغور منصب الرئاسة منذ مدة طويلة، وذلك للمرض المُزمن الذي أصاب الرئيس. وأضافت أن "عدم مقدرة الرئيس على أداء مهامه الدستورية، يستدعي من المجلس الدستوري أن يقوم بمهماته الدستورية وأن يتأكد من الحالة الصحية للرئيس، وإذا ثبت فعلاً عدم مقدرته على الحكم، أن يُباشر بتطبيق المادة 88 من الدستور، وإعلان حالة الشغور بسبب العجز الصحي عن إدارة شؤون البلاد".
وحول هذه الوضعية «المخيفة» بالنسبة إلى الجزائريين، لفت رئيس الحكومة الأسبق والمنافس القوي لبوتفليقة خلال الانتخابات الرئاسية الماضية، علي بن فليس، في آخر ندوة صحافية عقدها قبل أيام، إلى أن «هناك حالة شغور يعيشها أعلى هرم السلطة، فالمراسيم معطلة وهيئات يتم تسييرها بالنيابة خلافاً لما ينص عليه الدستور، وعشرات السفراء الأجانب ينتظرون تسليم أوراق اعتمادهم». بدورها، عبرت تنسيقية الانتقال الديموقراطي التي تجمع كل أحزاب المعارضة، عن رفضها لحالة شغور منصب رئيس الجمهورية الذي جعل مؤسسات الدولة في حالة عجز واضطراب، ومستقبل البلد في خطر، وجعل الجزائر غائبة عن الساحة الدولية.
وفي الوقت الذي تلتزم فيه الرئاسة الجزائرية الصمت بشأن هذه الاتهامات والمطالب، تسارع أحزاب السلطة إلى الرد بالتأكيد أن مؤسسات الدولة ليست مشلولة وتسير بشكل طبيعي، والرئيس يمارس مهماته بصفة مستمرة، وأن قضية شغور المنصب لا تعني رئيس الجمهورية، وانتقادات المعارضة لا أساس لها من الصحة.
لكن دائرة المطالبين بالكشف عن الوضع الصحي للرئيس توسعت، بعد أن أصدر رئيس الحركة من أجل الشبيبة والتغيير، المرشح الرئاسي السابق، رشيد نكاز، بياناً تسلمت «الأخبار» نسخة منه، يطالب من خلاله الحكومة الجزائرية بالكشف عن حقيقة الوضع الصحي للرئيس، تفادياً لـ«سخرية البلدان الأجنبية علينا كجزائريين» وفق تعبيره. وأضاف نكاز، أن المرض شيء طبيعي، وقد أصبح المواطنون على استعداد لسماع الحقيقة، من أجل الاستعداد الجيد للمواعيد التي يقبل عليها البلد مستقبلاً.
الإسلاميون انتهجوا نفس خط المعارضة، وطالبوا بضرورة تفعيل المادة 88 من الدستور، وقال رئيس حركة العدالة والتنمية الإسلامية، عبد الله جاب الله، لـ«الأخبار»، إنه «ما دام الرئيس مريضاً ولا يقوى على القيام بمهماته، فيجب تفعيل المادة 88 من الدستور التي تتحدث عن شغور منصب الرئيس بسبب موت أو مرض».
وشدد جاب الله على أن «البلاد تعيش اليوم غياباً حقيقياً للرئيس عن مزاولة مهماته وصارت الأمور متروكة للغير بسبب إصرار أولياء الرئيس المستفيدين من وجوده في السلطة الذين بيدهم القرار على ترشحه لفترة رابعة للرئاسة على الرغم من الأصوات الرافضة لذلك».
ورداً على سؤال «الأخبار» بخصوص من هو هذا الغير، أوضح جاب الله أن «هناك علامة استفهام، ونحن أمام عدوان على الدستور وقبله عدوان على حق الأمة وعدوان على مصالحها المختلفة»، مشدداً على ضرورة الكشف عن حقيقة صحة الرئيس لأنه «واجب مقدس يمليه احترام الدستور ثم مصلحة الجزائر».
لقد أثارت الوضعية الصحية لبوتفليقة وغياباته المتكررة عن المشهد، تساؤلات لدى الجزائريين عمّن يحكم البلاد، خاصة مع تزايد الشائعات عن أن شقيقه السعيد ومجموعة المنتفعين معه من وزراء ورجال أعمال، هم من يديرون دفّة الحكم، ما زاد من قلق وتخوف الشارع الجزائري والطبقة السياسية المعارضة، خاصة في ظل الأوضاع الأمنية المتردية التي تعرفها دول الجوار من ليبيا، تونس، ومالي، والحدود المغلقة مع المغرب.