كمن حرّك الماء الراكد. هذا ما فعله القضاء السعودي بقرار طلب فيه الحكم بالإعدام «تعزيراً» على قائد حراك القطيف، الشيخ نمر النمر، أمس. قد يكون لتوتر العلاقة مع طهران علاقة بتسريع اتخاذ القرار بعد سنة ونصف تقريباً من المداولات، أو حتى بعد تصاعد الخوف مما يجرى جنوباً في اليمن، فلا شيء داخلياً يستحق أن «يعزّر» من أجله، لكن من المفارقة أن يتخذ قرار بشخص مقابل جملة من التطورات الإقليمية!

أيضاً لا يمكن للقصر الملكي في السعودية، ولا خارجها، تقدير ردّ الفعل الحقيقي داخل المملكة في حال تنفيذ الحكم، وخاصة من المنطقة الشرقية، أكان لناحية المبالغة أم التقليل من المخاوف. أمّا كلما وجد النظام نفسه في أزمة، فيبدو أنه يعود ليرى في النمر مخرجاً!
وحتى لا يخرج فهم القرار من إطاره الفعلي، فإن الباب القانوني الذي اتخذ منه القرار يظهر أنه لا توجد فعلة جنائية توجب هذا الحدّ من المبالغة.
ومن الممكن أن تكون هناك حاجة فعلية لإعادة إثبات الذات خوفاً من «ثورة كامنة»، فيما يجهد وكلاء الدفاع عن الشيخ لدحض كل التهم التي وجهت إليه.

ألقت السلطات القبض على شقيق الشيخ بسبب تغريداته

أما ما يمكن الالتفات إليه فهو أنه في ظل الحرب على «داعش»، لا تعلم مصلحة القرار ضد النمر، لأنه من مصلحة النظام الحاكم تثبيت حالة الاستقرار الأمني في البلاد، وعدم الانشغال في قضايا هو في غنى عنها حالياً، وخاصة أن مقتل مواطن أميركي أول من أمس نقل جزءاً من دائرة الضوء هناك، مع أن القضية الأخيرة في ظاهرها جنائية.
ولا يبدو أن القضاء «المستقلّ» اتخذ هذه الخطوة بناءً على جدول أعمال يلزم نفسه فيه بإصدار الحكم، لذلك يبرز مجدداً التساؤل عن الغرض السياسي من القرار، فيما يحتاج النظام إلى أن تكون العلاقة مع المكوّن «الشيعي» جيدة وهادئة، ولا سيما مع فرح أطراف وهابية بالحكم.
أما عن خيار المواجهة المفتوحة مع أهالي المنطقة الشرقية مجدداً، فبرزت أمس بادرة تنبّه المراقبون إليها، وهي خروج أهالي المنطقة في تظاهرات منددة بالحكم، ويتوقع أن تزداد في الأيام المقبلة في حال المضي في باقي الإجراءات القانونية المرتبطة بالحكم، وهو ما يعيد الخوف من تكرار الحراك في السعودية.
وكانت المحكمة الجزائية السعودية قد حكمت في جلسة لم تستغرق مدتها عشر دقائق على الشيخ نمر النمر بالموت تعزيراً، بتهمة «إشعال الفتنة الطائفية» و«الخروج على وليّ الأمر» و«حمل السلاح في وجه رجال الأمن» وأيضاً «جلب التدخل الخارجي» و«دعم حالة التمرد في البحرين» التي ساهمت السعودية في إخمادها.
والحكم بالموت تعزيراً، وفق الأنظمة القضائية في السعودية، يعني أن الحكم لا يمكن إسقاطه إلا بمكرمة من الملك شخصياً، وهو ما يعيد ربط الحكم بالجانب السياسي، كأن يستجدي أحد ما في الداخل أو الخارج العفو مجدداً.
وكان الادعاء العام ينتظر الحكم بحدّ الحرابة على الشيخ، لكن المحكمة رأت أن الجرم الذي أدين به النمر لا ينطبق عليه حدّ الحرابة «الذي يوجب القتل والصلب»، فيما عقوبة التعزير متروكة لتقدير القاضي لخطورة الجريمة، لكنه قرر الحكم بالقتل في حالة الشيخ.
في المقابل، نقل من شهد الجلسة أن الشيخ النمر كان في حالة من «رباطة الجأش والاستبشار أثناء النطق بالحكم»، بل ردّد على مسامع محاميه، صادق الجبران، وأخويه، جعفر ومحمد، آية كريمة متنها: «قل ما يصيبكم إلا ما كتب الله لكم». ونقل بيان لعائلة الشيخ عنه ردّه على التُهم الموجهة إليه قوله: «سألتزم قول الحق وذكر الواقع كما هو، وإن استغل لإدانتي ومعاقبتي».
في كل الأحوال، فإن الحكم ينتظر قرار محكمة الاستئناف التي تقدمت عائلة الشيخ إليها بطلب استئناف الحكم، وإذا رفضت المحكمة الطلب يبقى لتنفيذ الحكم من عدمه «مكرمة» الملك الذي له الحق وحده رفض الحكم!
كذلك لم يكتف القضاء أمس باتخاذ الحكم، بل عمد بعد ساعة على صدوره إلى إلقاء القبض على شقيق الشيخ، محمد، بسبب التغريدات التي كتبها على صفحته في «تويتر». وأبدت العائلة في بيانها دهشتها واستغرابها حكم الإعدام غير المتوقع الذي صدر عن المحكمة الجزائية في الرياض، واعتبرته سابقة خطيرة، مؤكدةً أن الحكم «سياسي بامتياز». واستدركت: «التهم غير صحيحة ولا ترقى إلى حد الحرابة حتى في حال ثبوتها».
ودعت عائلة النمر «الخيّرين من العلماء والمثقفين والسياسيين والكتّاب» إلى التعبير عن رفضهم هذا الحكم والأحكام الأخرى التي صدرت بحق «الناشئين والأحداث»، لما فيها من «تبعات ومتواليات سلبية».
من جانبها، كتبت يسرى المعلم، وهي زوجة محمد النمر، أن حل «المشكلات السياسية» لا يكون إلا «بالحوار والاستجابة للمطالب الشعبية».
أما الناشط السعودي المعارض، فؤاد إبراهيم، فشدد على أن الحكم بإعدام النمر يعبّر عن «حالة توتر يعيشها النظام السعودي، وتدفعه إلى أن يقطع الطريق أمام أي تسوية لحلحلة الأزمة في البلاد». ولفت إبراهيم إلى أن «النظام السعودي يعلم تماماً أن هذا الوضع الهش الذي يعاني منه في هذا الوقت لا يسمح بمثل هذه الأحكام الحمقاء»، مضيفاً: «لو كان لدى النظام عقلاء فإنهم يمنعون تنفيذ هذا الحكم، لكننا نتوقع الأسوأ من هذا النظام، خصوصاً في هذا الوقت وفي هذه المرحلة التي للأسف الشديد تدير هذه البلاد مجموعة من الحمقى الذين يتصرفون وكأن هذه الدولة امتياز شخصي لهم».
كما رأى ابراهيم في تغريدة له على موقع «تويتر» أن «كثرة الحمقى في آل سعود تعجّل في زوال حكمهم التسلّطي، وإن تآكل شعبيتهم في المنطقة الحاضنة لهم يؤشر إلى اقتراب لحظة اﻻنهيار الكبير».