مع أن خط الاتصال بين حركة «حماس» وإيران جاء بعد «فتح» و«الجهاد الإسلامي»، فإن العلاقة بينهما تعززت بصورة قوية في ظل الانتفاضة الثانية، ثم ازدادت قوة مع تشكيل «حماس» حكومتها في غزة وتلقّيها دعماً كبيراً من الجمهورية الاسلامية على المستوى المالي.


لم تدم أشهر العسل طويلاً مع بدء الأزمة السورية عام 2011 وخروج قيادة «حماس» من دمشق، لكن الحرب الأخيرة التي قاتلت فيها الحركة، إلى جانب فصائل أخرى على مدار 51 يوماً، استدعت حالة من «الاستنفار» الإيراني أعادت تسليط الضوء على العلاقة الثنائية ومدى الحاجة إلى تعزيزها، وهو ما يمكن تلمّسه داخل أروقة «حماس».
ومع ما تؤكده مصادر داخل «حماس» عن توجه لدى قيادة الحركة وخاصة في غزة إلى تعزيز العلاقة بإيران، فإنه من الناحية الموضوعية يصعب على القاعدة الشعبية للحركة استيعاب هذا التحرك بعد الموقف مما يجري في سوريا واليمن وتعزيز الاقتناع بأن «السلاح المحلي الصنع» والقدرات الذاتية تغني عن ذلك. لكن التطورات الأخيرة في الدوحة وأنقرة قد تكون سبباً مقنعاً.
فالدول التي أبدت تعاطفاً مع «حماس»، كتركيا وقطر، أقرّت المصادر الحركية بأنها لا تستطيع ممارسة دور أمني أو عسكري فيها، بل حتى على ناحية سياسية واضحة، ولا سيما تركيا «لاعتبارها ضمن دول الحلف الأطلسي، وما يمكن أن يسببه ذلك من حرج لها». وقالت المصادر إن «حماس» فهمت هذه الرسالة منذ ثلاث سنوات، وتحديداً بعد اعتذار أنقرة عن استضافة اجتماع لمجلس الشورى الحركي.
أمّا قطر، فقالت المصادر إنه تم الاتفاق على تفاهمات تقضي بانسجام الرؤية بين الطرفين تجاه الأزمات والقضايا المثارة، وبناءً على ذلك «سُمح للمكتب السياسي بممارسة عمله في الدوحة، فيما لا يمكن تمويل العمل المقاوم». كذلك كشفت أن عدداً من الأسرى المبعدين إلى قطر غادروها أخيراً وظهروا على فضائية الأقصى تباعاً، «وكان ذلك متزامناً مع الحديث عن ترتيبات قطرية لإعادة العلاقة بالبيت الخليجي».

وصلت «الجهاد» إلى اقتناع بأن تحرير فلسطين لن يكون عبر غزة بل الضفة


لا تمارس «حماس» نشاطات عسكرية
أو سياسية كبيرة في
قطر وتركيا




من هنا، وجراء نتائج الحرب، تأكد لقيادات غزة أكثر من مرة أن الطرف الوحيد الذي يمكن أن يدعم «حماس» عسكرياً ورسمياً هو إيران فقط. وفي سبيل ذلك، كشفت مصادر قيادية أخرى عن اجتماعات عقدت أخيراً بين شخصيات إيرانية وقيادات من «حماس» في بيروت، ونجمت عنها «خطوات لتعزيز العلاقة الثنائية»، مشيرة إلى أن التحرك حثّ عليه عضو المكتب السياسي، محمود الزهار، الذي أعلن بصورة واضحة أنه «يجب علينا تطوير أدوات مقاومتنا وإعادة ترتيب علاقاتنا بكل دولة يمكن أن تساعدنا وتساندنا بلا ثمن».
حتى الجناح المحسوب على قطر، أقرّ أخيراً بما ذهب إليه الزهار، وقد أشار النائب الثاني لرئيس المكتب السياسي، موسى أبو مرزوق، إلى أن لإيران الدور الأكبر في «دعم الإعداد لمعركة العصف المأكول التي واجهت فيها المقاومة الفلسطينية الاحتلال بصواريخ إيرانية وأخرى محلية الصنع تحاكي المنظومة الإيرانية في عملها».
وعادت المصادر الحمساوية لتؤكد أن «الرؤية الحالية لدى مجلس الشورى وبعض أعضاء المكتب السياسي تقضي بأن تحسّن حماس علاقتها بإيران عودة إلى ما كان عليه الوضع السابق»، واللافت هو المطالبة بتحسين البيئة الاستراتيجية لـ«دول الاعتدال»، وفي مقدمتها عمّان ومصر، حتى تخرج الحركة من أزمتها الراهنة التي وصفت بالأقسى.
وكان القيادي في «حماس»، أحمد يوسف، قد أشار إلى «نقاشات داخلية شددت على ضرورة ترميم العلاقة بالجمهورية الإسلامية وحزب الله»، وقال في تصريحات صحافية إن «لإيران فضلاً سابقاً علينا، ولا يمكن الاستغناء عنها في أي ترتيبات مستقبلية». ورأى يوسف أن «حضور إيران في المشهد الفلسطيني كان أصدق، وعطاؤها أكبر وأعظم من الكثيرين في المنطقة، وهي قدمت ملايين الدولارات إلى الشعب الفلسطيني من دون أي ضجيج». وبشأن غيابها عن مؤتمر إعمار غزة، قال «أحضرت إيران المؤتمر أم لم تحضره فإن عطاءها لا يحتاج إلى دعوة».
على جهة ليست بعيدة، أجرت «الجهاد الإسلامي» زيارة على مستوى الأمانة العامة لطهران حيث التقت المرشد الأعلى للجمهورية، السيد علي خامنئي. ويصف ممثل الحركة في لبنان، أبو عماد الرفاعي، الزيارة بأنها «مهمة لدولة محورية في دعم المقاومة»، شارحاً أنها تناولت «مواضيع على درجة كبيرة من الأولوية، كسبل دعم صمود أهل غزة على اعتبار أن هذا الدعم استكمال للمعركة.
وكان في الزيارة كل من الأمين العام رمضان عبدالله شلح، ونائبه زياد النخالة، وممثل الحركة لدى طهران وقيادات أخرى. وتصدّرها عنوانان هما القدس وما يحدث في الضفة المحتلة، لكن الرفاعي لا يرى «في الزيارة، بهذا المستوى والتوقيت، أن الجهاد ستكون بديلة من حماس لدى الجمهورية، وإن كانت المعركة الأخيرة قد عززت العلاقات أكثر فأكثر، لكن الإعلام يذهب بعيداً في تقديراته»، وأوضح لـ«الأخبار» أنه في ما يتعلق بالعلاقة بإيران «يمكن الجزم بكل بساطة أنه لا أحد يأخذ مكان أحد، وكل له دوره».
وحول ماهية الدعم الإيراني في قضية إعمار غزة، توضح مصادر من الحركة أن «الدعم سيعوض بعض الجوانب والثغرات التي لن تغطيها الدول المانحة صاحبة الشروط، وأيضاً سيشمل جوانب إنسانية لا يركز عليها كثيرون»، وعن طرق إيصالها فإن «المقاومة لن تعدم الوسيلة».
وبما أن عنوان «تسليح الضفة» يوجب أسئلة عن الكيفية والتوقيت، يوضح الرفاعي أنه «بعد تجربة الحروب الثلاثة نعتقد أننا لن نستطيع تحرير فلسطين عبر غزة، بل هذا الهدف لن يتحقق إلا بتسليح الضفة المحتلة وإدخالها دائرة الصراع، مع الانتباه إلى بعدها الجغرافي الذي سيغيّر مصير المعركة، وأساساً الاحتلال مستمر في الضفة بصورة كبيرة عبر الاستيطان والاعتقالات، وهو ما يوجب حالة دفاع دائمة».




ماذا عن إيران وحزب الله؟

قال المتخصص في الشأن الإيراني والباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية في إيران والشرق الأوسط، موسى الكناني، إن للجمهورية الإسلامية «موقفاً ثابتاً من دعم القضية الفلسطينية، ولا يمكن أن يتغير، لأنه وفقاً للدستور، فإن المرشد الأعلى هو من يحدد الاستراتيجيات والسياسات العليا للدولة، ومنها دعم فلسطين». وذكر الكناني لـ«الأخبار» أن ما لديه من معلومات يفيد بأن «مراكز الثقل في الدولة الإيرانية تؤكد أن الدعم السياسي والمالي لحماس لم ينقطع، لكن اللقاءات بين الطرفين لا تذكر تفاصيلها في الإعلام بسبب ضرورات سياسية وأمنية، وإيران مستعدة لاستقبال مكتب حماس السياسي».
ولم تختلف وجهة نظر حزب الله في هذا الإطار، فقد أكدّ مسؤول الملف الفلسطيني، حسن حب الله، أن العلاقة تتعمق بكل الفصائل الفلسطينية «بغض النظر عن أي خلافات في وجهات النظر، لأن المقاومة هي الفكرة الجامعة». وذكر حب الله لـ«الأخبار» أن هناك اجتماعات عقدت على مستوى قيادي بين الحزب و«حماس» خلال المدة السابقة، «ويوجد تواصل هاتفي بين السيد حسن نصرالله والأخ خالد مشعل».
(الأخبار)