مرَّ شهرٌ على سقوط صنعاء بأيدي جماعة «أنصار الله» (الحوثيون) وتوقيع اتفاق «السلم والشراكة الوطنية» بينهم وبين الرئاسة اليمنية، الذي نصّ على تأليف حكومة «وحدة وطنية» خلال شهر. نظرة سريعة إلى الوراء، بدءاً من 21 أيلول الفائت، كافيةٌ للتيقّن من أن هذا الشهر كان حدّاً فاصلاً في تاريخ اليمن الحديث.


في ذلك اليوم، ومن دون مقاومةٍ تُذكر، تمكّن الحوثيون من السيطرة على صنعاء، قبل فرض شروطهم كلها على الرئاسة اليمنية، وتحقيقهم المطالب المرفوعة منذ اليوم الأول لاعتصامهم الذي اتخذ طابعاً مطلبياً، بدايةً.

الناظر إلى الخريطة اليمنية اليوم، يرى بوضوح خطاً طويلاً شبه مستقيم غرب البلاد، يربط المدن والمحافظات التي أسقطها الحوثيون في الآونة الأخيرة، ما أوصلهم ليس فقط إلى تغيير المعادلة الداخلية في اليمن، بل إلى إعادة خلط الأوراق الإقليمية، لا سيما بالنسبة إلى حسابات دول الخليج وموقعها إزاء المتغيرات التي شهدتها المنطقة أخيراً.

منذ ستة أشهر والجماعة تتمدد على طول الجهة الغربية. سيطر الحوثيون على المناطق المحاذية لمعقلهم الرئيسي في صعدة (230 كلم شمال صنعاء)، متمكنين من تدمير الوحدات العسكرية التابعة لحزب «التجمع اليمني للإصلاح» الفرع اليمني لتنظيم «الإخوان المسلمين»، إضافة إلى طرد خصومهم السلفيين من وادي دماج جنوب شرق صعدة. انتشروا في عمران شمال العاصمة تمهيداً لدخول صنعاء وتدمير آخر الوحدات المرتبطة بـ«الإصلاح»، وهو اللواء الأول مدرع بقيادة اللواء علي محسن الأحمر الذي بات مطارداً من قبل الحوثيين وأنصارهم. مواجهات قليلة وقعت بين الجماعة ومقاتلين من القبائل في العاصمة، مكّنتها من فرض شروطها على الاتفاق الذي عقدته مع الرئاسة اليمنية برعاية المبعوث الأممي لدى اليمن جمال بن عمر، ما أعطى حراك الحوثيين اعترافاً وشرعية دوليين.
مجلة «بوليتيكو» الأميركية رأت أن وصول الحوثيين إلى السلطة ناتج من أربعة عوامل: أولاً عجز السلطة المؤقتة التي تم إرساؤها عام 2011 بعد «ثورة فبراير»، ثانياً رغبة الرئيس السابق علي عبدالله صالح في الانتقام من الذين أخرجوه من السلطة، ثالثاً الخلاف السعودي ـ القطري الذي تجلّى في انقلاب الرياض على نفوذ قطر (الإخوان) في اليمن، والمتمثل في حزب «الاصلاح»، إضافة إلى دهاء القيادة السياسية لجماعة الحوثي، بحسب الكاتب في المجلة شارلز شميتز.
بعد صنعاء، كرّت سبحة المناطق التي أحكم الحوثيون قبضتهم عليها. قبل أسبوع، توجه الحوثيون إلى محافظة الحُديدة، حيث تمركزوا في مينائها الاستراتيجي المطلّ على البحر الأحمر وفي مطارها، ما عزز مخاوف قوى إقليمية، في مقدمتها إسرائيل، من وصولهم إلى مضيق باب المندب. بالتزامن، تقدّم الحوثيون إلى محافظتي البيضاء وإب، وسط البلاد، حيث سطّروا أول مواجهة فعلية مع تنظيم «القاعدة»، بعدما أعلن التنظيم الحرب عليهم بعنوان مذهبي. كذلك، تمددت الجماعة عسكرياً في حجة على الحدود مع السعودية، وذُمار التي تمثل حاضنة شعبية لها.
وفي موازاة التمدد العسكري على طول البلاد وعرضها، يواصل الحوثيون حصد المكاسب السياسية. فبعد توقيع الاتفاق الذي وضع حدّاً للمواجهات في صنعاء، جرت تسمية مستشارين للرئاسة، أحدهما من «الحراك الجنوبي» وآخر من «أنصار الله»، وفق مطلب الحوثيين. كذلك، رفضت قيادة الجماعة مرشح الرئيس هادي إلى رئاسة الحكومة، أحمد عوض بن مبارك، ثم وافقت على تكليف خالد بحاح لرئاسة حكومة «الوفاق الوطني».

ورغم مرور المهلة التي منحها الاتفاق لتأليف حكومة جديدة، لا تزال القوى السياسية عاجزة عن تشكيلها، بسبب خلافات على توزيع الحقائب الوزارية. أحزاب «اللقاء المشترك» تتمسك بمنح المكونات السياسية الـ13 التي شاركت في مؤتمر الحوار الوطني حقيبتين وزاريتين، على أن يحتفظ الرئيس عبد ربه منصور هادي بأربع حقائب سيادية: الداخلية والدفاع والمالية والخارجية، في وقتٍ يرفض فيه الحوثيون وحزب «المؤتمر الشعبي العام» (يرأسه الرئيس السابق علي عبدالله صالح) هذا الخيار.
وكان تكتل «اللقاء المشترك» (الإصلاح، الاشتراكي، الناصري، الحق، البعث واتحاد القوى الشعبية) أعلن، أول من أمس، امتناعه عن المشاركة في الحكومة المقبلة «في حال الإخلال بمستوى تمثيل الأحزاب والمكونات السياسية الموقّعة على اتفاق السلم والشراكة».
إلى ذلك، ذكرت وكالة «الأناضول»، نقلاً عن تقارير إعلامية، أن الحوثيين يطالبون بتولّي وزارتي الدفاع والداخلية، وهما من ضمن الوزارت السيادية التي يحتفظ الرئيس اليمني بحق تسمية وزرائها.

(الأخبار، الأناضول)