يفرد «المركز السوري لبحوث السياسات» في تقريره الجديد، ومن «معهد عصام فارس للسياسات العامة والشؤون الدولية»، الذي يرصد آثار الأزمة السورية خلال عام 2015، حيزاً واسعاً للحديث عن ظاهرة «تشظي» الاقتصاد السوري، فضلاً عن نشره لتقديرات إحصائية جديدة تتعلق مثلاً بالإنفاق العسكري للمجموعات المسلحة، وبالحجم الذي بات اقتصاد «العنف» يمثله في المجتمع السوري، وبالإنفاق القائم في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة وغيرها.

يقدر المركز حجم الخسائر الاقتصادية لسوريا منذ بداية الأزمة حتى نهاية عام 2015 بنحو 254.7 مليار دولار، منها نحو 59.6 مليار دولار خسائر مقدّرة خلال العام الماضي، وبذلك فإن إجمالي الخسائر تعادل بالأسعار الثابتة ما نسبته 468% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد خلال عام 2010. وبحسب بيانات المركز وتقديراته، التي استندت في جانب هام إلى نتائج مسح السكان الذي جرى عام 2014، فإن خسائر الناتج المحلي الإجمالي تمثّل ما نسبته 64,1% من إجمالي الخسائر الاقتصادية، فيما استحوذت أضرار مخزون رأس المال على نحو 26,4%، إلا أن اللافت في تفاصيل الخسائر التقديرات المتعلقة بالإنفاق العسكري للحكومة والمجموعات المسلحة، وبالإنتاج غير الرسمي للنفط والغاز، إذ تشير اسقاطات باحثي المركز إلى أن الإنفاق العسكري للمجموعات المسلحة سجّل لنهاية عام 2015 نحو 6 مليارات دولار، مشكلة بذلك نسبة وقدرها 2.3% من إجمالي الخسائر، فيما سجل الإنفاق العسكري للحكومة، خلال الفترة نفسها، زيادة وقدرها 14.5 مليار دولار، بنسبة تصل إلى 5.7% من إجمالي الخسائر.
أما في ما يتعلق بالإنتاج غير الرسمي للنفط والغاز، فإن التقديرات تقول إن قيمته الإجمالية وصلت في نهاية العام الماضي لنحو 5 مليارات دولار، منها 3.6 مليارات دولار كخسارة صافية، وذلك بعد استبعاد ما جرى إدراجه في إنفاق المجموعات المسلحة، ولتمثّل بذلك من إجمالي الخسائر نسبة وقدرها 1,5%.

مليونا سوري منخرطون في الأنشطة «العنفية»

وحده قطاع «العنف» لا يزال يحافظ على تحقيق نمو كبير، وبحسب تقديرات المركز فإن نسبة العاملين في الأنشطة «العنفية»، سواء عبر الانخراط المباشر في القتال أو ممارسة أعمال غير مشروعة كالتهريب، الاحتكار، السرقة، الاتجار بالبشر، وتجارة الأسلحة، بلغت عام 2014 نحو 17% من السكان الناشطين اقتصادياً داخل البلاد، أي ما يقارب من مليوني شخص.

اقتصاديات خارج الدولة

وإلى جانب استمراره برصد واقع المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية، وتأثيرات السياسات الحكومية على الأوضاع الاقتصادية، يحاول المركز أن يقترب أكثر من تحليل «الديناميكيات الاقتصادية في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة من حيث الإيرادات والنفقات، التي تقوم بها الجماعات المسلحة». عسى أن تستخدم «كأداة دعم ومساعدة في بناء البدائل التي تكسر دائرة العنف والتشظي باتجاه عملية تنموية قائمة على احترام كرامة الإنسان وحقوقه».
وفي هذا السياق، يتطرق التقرير إلى واقع الاستهلاك «شبه العام»، الذي يعرفه «بأنه فئة إنفاق جديدة، ليست عامة ولا خاصة، تجري في المناطق الخارجة عن سيطرة الحكومة، التي تسيطر عليها قوى أمر واقع، استولت على السلطة في هذه المناطق». وقد «ارتفع نصيب هذا الاستهلاك من 2.1% في عام 2012 إلى 13.2% عام 2015، ما يعكس تصاعد النزاع، واشتراك أعداد أكبر من الفاعلين في المعارك الدائرة».
على صعيد المؤشرات الاقتصادية الكلية، تشير تقديرات التقرير إلى أن استمرار ضخامة العجز التجاري المسجل في العام الماضي، الذي بلغت نسبته نحو 27.6% من الناتج المحلي الإجمالي، «وضع الاقتصاد السوري في حالة من الانكشاف، واستهلاك للاحتياطيات الأجنبية، وبالتالي تراكم عبء الديون الملقاة على كاهل الأجيال التالية». كذلك كان حال البطالة التي تجاوز معدلها في العام الماضي نحو 52,9%، إذ بلغ «عدد العاطلين من العمل 2,91 مليون شخص، منهم 2,7 مليون فقدوا عملهم خلال الأزمة، ما يعني فقدان مصدر رئيسي لدخل والتأثير في معيشة نحو 13,8 مليون شخص». وهذا كان كافياً، إلى جانب عوامل أخرى، في ارتفاع معدل الفقر ليصل إلى نحو 85,2%، فيما نسبة من يعيشون في فقر شديد تصل لنحو 69.3% من السكان، وهؤلاء «غير قادرين على تأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم الأساسية الغذائية وغير الغذائية، كما بات نحو 35% من السكان يعيشون في فقر مدقع»، أي إنهم «غير قادرين على تأمين الحد الأدنى من احتياجاتهم الغذائية الأساسية. ويتفاوت مستوى الفقر بين المحافظات، ويزداد الوضع سوءاً في مناطق النزاع والمناطق المحاصرة».

كارثة اجتماعية

وتبقى الخسائر البشرية هي الأقسى في مسيرة الحرب، فمع نهاية عام 2015، يتوقع أن «يصل معدل الوفيات إلى حوالى 10 بالألف، وعدد الجرحى إلى نحو 1.88 مليون نسمة، أي إن ما يقرب من 11.5% من السوريين، إما قد فقدوا حياتهم أو أنهم جرحى ومصابون.
و«مع الأخذ بعين الاعتبار تدهور النظام الصحي والخدمات الصحية»، فإن سوريا تواجه «كارثة إنسانية، تتجلى في التراجع الكبير في متوسط العمر المتوقع عند الولادة من 70,5 سنة في عام 2010، إلى ما يقدر بـ 55,4 سنة في 2015».
وتضع التقديرات الخاصة بالمتغيرات الديمغرافية، التي خلص إليها باحثو المركز اعتماداً على نتائج مسح السكان لعام 2014، حداً للأرقام «المسيسة» وغير المهنية المتداولة حول عدد اللاجئين السوريين في دول الجوار، فمع نهاية الربع الأول من عام 2015، واستناداً إلى مسح حالة السكان لعام 2014، فإن «العدد الإجمالي للاجئين السوريين بلغ نحو 2.58 مليون شخص، وخلال الربع الثاني ازداد عدد اللاجئين السوريين بنحو 164 ألف شخص»، كما يتوقع «أن يزداد عددهم خلال النصف الثاني من العام، بسبب احتدام العمليات العسكرية، ولا سيما في المناطق الشمالية من البلاد، لتبلغ هذه الزيادة 177 ألف شخص خلال الربع الثالث، و187 ألف شخص خلال الربع الرابع، وبالتالي، قُدّر أن يصل العدد الإجمالي للاجئين إلى 3,11 ملايين شخص في نهاية عام 2015». وهذا أدى بطبيعة إلى «تفريغ البلد من السكان، حيث تراجع عددهم من 21,80 مليون شخص في داخل البلاد في عام 2010 إلى 20,44 مليون شخص بحلول نهاية عام 2015». علماً أن عدد سكان البلاد كان سيصل إلى 25,59 مليون نسمة لو لم تحدث الأزمة، أي أن عدد السكان تراجع بنسبة 21% مقارنة بعددهم المقدر في حال عدم حدوث الأزمة.
داخلياً، اضطر نحو 45% من السكان مع نهاية العام الماضي إلى مغادرة أماكن سكنهم، بحثاً عن الأمان أو الظروف المعيشية الأفضل في أماكن أخرى، إذ بلغ عدد النازحين داخلياً نحو 6.36 ملايين نسمة، مع الإشارة إلى أن العديد منهم اضطر إلى النزوح مرات عديدة.
وفي مجال التعليم، يطلق التقرير تحذيرات من الصعوبات الهائلة التي يواجهها القطاع، ولا سيما «مع وصول نسبة الأطفال غير الملتحقين بالتعليم الأساسي إلى 45.2%، وذلك من إجمالي عدد الأطفال في هذه الفئة العمرية»، كما «قُدّرت الخسارة في سنوات الدراسة بنحو 24.5 مليون سنة، أي ما كلفته 16.5 مليار دولار أميركي، وهذه تشمثل خسارة في رأس المال البشري المرتبط بالتعليم».