تمر عشرات الشاحنات المحملة بالنفط إلى الأراضي اليمنية عبر منفذ الوديعة، الوحيد الذي لا يزال مفتوحاً بين الدولتين، لا لتزويد المواطن الذي يعاني من أزمة خانقة بسبب الحصار والعدوان، بل لاستغلال ظروفه وانعدام المشتقات في السوق.

وكشف تقرير حديث صادر عن لجنة تحقيق مستقلة زارت المعبر للتحقق من الانتهاكات التي يتعرض لها المسافرون اليمنيون عبر المعبر الحدودي الواقع في نطاق محافظة حضرموت، عن عمليات تهريب واسعة للمشتقات النفطية تقف وراءها قيادات عسكرية وقبلية موالية للعدوان السعودي في محافظة مأرب. وأشار إلى أن كميات كبيرة من البنزين والديزل يجري إدخالها تحت عنوان تمويل عدد من المحافظات الشمالية والجنوبية، إلا أنها لم تصل إلى أي محافظة، وتباع في الأسواق السوداء. وقالت اللجنة إنه من خلال كشوفات عبور تلك الشحنات، تبين وقوف نافذين من شخصيات عسكرية يقيمون في السعودية وراء نهبها والاستحواذ عليها. وأكد التقرير أن تلك الشاحنات القادمة من الأراضي السعودية تمرّ عبر معبر الوديعة وتسمح لها السلطات الجمركية في الجانب السعودي بالمرور من دون أي عراقيل، مبدياً استغرابه من تسهيل سلطات السعودية مرور الشاحنات المشبوهة، في الوقت الذي لا تسمح فيه تلك السلطات للإمدادات التجارية بالمرور عبر المنفذ إلا بعد حصولها على تراخيص من العمليات المشتركة لقوات «التحالف» بالإضافة إلى خضوعها للتفتيش الدقيق.
وأكد التقرير الذي أعدته لجنة تحقيق مكونة من ناشطين وإعلاميين زارت المعبر الحدودي البري الواقع في نطاق محافظة حضرموت أخيراً، العثور على العشرات من القاطرات المحملة بالمشتقات النفطية في الطريق الرابط بين منفذ الوديعة الحدودي البري بين اليمن والسعودية ومدينة العبر ومناطق تابعة لمحافظة مأرب، تُفرغ حمولتها في شاحنات صغيرة تحمل أرقام محافظات مختلفة لبيعها بأسعار السوق السوداء.

تؤمن الميليشيات التي تنصب نقاط تفتيش بين الوديعة ــ العبر ــ مأرب مرور شاحنات التهريب

وكشف التقرير الذي حصلت «الأخبار» على نسخه منه عن وجود اتفاق غير معلن بتقاسم المصالح بين الميليشيات الموجودة في منفذ الوديعة من الجانب اليمني وبين مهربي المشتقات النفطية من قيادات عسكرية ومدنية موالية للعدوان، ومنها قيادات مقربة من هادي مُنحت أخيراً مناصب عليا. وأكد أن الميليشيات التي تنصب عدداً من نقاط تفتيش في الطريق العام الرابط بين الوديعة ــ العبر ــ مأرب تتولى حماية تلك الشاحنات المحملة بالديزل والبنزين من دون اعتراض، مقابل السماح لها بابتزاز المسافرين المغادرين أو القادمين إلى الأراضي اليمنية عبر المنفذ. وكشف التقرير عن عمليات ابتزاز ممنهجة وعن عملية تقاسم بين الجهات القائمة على المنفذ البري وبين مهربي النفط من الجانب السعوي إلى الأراضي اليمنية بغرض إغراق السوق المحلي بها واستغلال الظروف الحالية التي يعانيها الشعب اليمني جراء الحصار المفروض عليه منذ عشرة أشهر، بالإضافة إلى سحب العملة الصعبة من المحافظات الشمالية بهدف إيصال البلد إلى حالة عجز مالي.
وأكد التقرير أن المسافرين والمغادرين من المواطنين عبرالمنفذ «يتعرضون لعملية ابتزاز كبرى من قبل موظفي المكتب الخاص بالجمارك الذين يفرضون إتاوات مالية على سائقي السيارات من دون سندات رسمية»، كذلك تُفرَض إتاوات على المسافرين تصل إلى 100 ريـال سعودي على كل شخص من المغادرين، ويتعرض سائقو الشاحنات المحملة بالمواد التي يجب عليها أن تخضع للجمارك للابتزاز، وتُفرَض رسوم على تلك الحمولات فوق الرسوم القانونية التي تورد للبنك المركزي اليمني. كذلك، تفرض الميليشيات المتمركزة في كيلو 7 القريب من المنفذ الذي لا يمكن الدخول إليه إلا بعد تجاوز عدد من الحواجز الأمنية، مبالغ مالية على الشاحنات التي تمر من النقطة إلى خارج اليمن وداخله. ووفقاً للمصادر، تفرض عناصر أخرى موالية للسعودية مبلغ (100) ريـال سعودي على كل شاحنة محملة بالبضائع والمنتجات، بالرغم من خضوعها للجمارك من الجانب اليمني. ولفت التقرير إلى ارتفاع إيرادات منفذ الوديعة خلال العام الماضي 2015 من 6 مليارات و500 مليون ريـال عام 2014 إلى 19 مليار و679 مليون ريـال يمني.
وأثار التقرير صراعاً بين القيادات الموجودة في الرياض والتي تبادلت الاتهامات على خلفية ما يحدث في المعبر، فيما رأى مراقبون أن ما جاء في التقرير اعتراف رسمي من قبل دول العدوان وأدواتها في الرياض بالوقوف وراء تنامي الأسواق السوداء للمشتقات النفطية في الأسواق المحلية.
إلى ذلك، كشف التقرير الإذلال المتعمد للمسافرين اليمنيين عبر عدد من شركات النقل البري، ورفض إدخالهم في أثناء الليل وعرقلة دخول العائلات والأطفال عبر المنفذ، حتى وإن كانت لديهم تأشيرات دخول رسمية في ظل غياب أدنى الخدمات في المنفذ من الجانب اليمني وتركهم في العراء لأيام حتى يُسمَح لهم بالدخول.
وفي ظلّ الانتقادات التي تعرضت لها حكومة خالد بحاح المستقيلة بسبب تردي الأوضاع وتفشي الفساد في معبر الوديعة، اتخذ وزير الخارجية المعيَّن من قبل عبد ربه منصور هادي والموالي للرياض قراراً بإقالة القنصل اليمني في المعبر، إلا أن الأخير رفض القرار رفضاً قاطعاً، معتبراً حكومة بحاح غير شرعية، وهو ما دفع هذه الحكومة يوم أمس إلى إعلان إرسال لجنة تحقيق أخرى إلى المعبر.