سيناء | فرض حظر التجوال وحالة الطوارئ، شمالي سيناء، ليس فيهما أي جديد كما يقول المواطنون هنا، وخاصة أنهم يعيشون «حظر التجوال الفعلي» منذ عام تقريباً، فيما تنال الإجراءات الأمنية من قوت أرزاقهم في قرى ومدن رفح والعريش. فبدلاً من أن تنجح خطة الجيش المصري في «محاربة الإرهاب»، فإنها تتسبب في انعدام «فرص الحياة الآدمية» للشباب في سيناء، وتبقيهم سجناء بيوتهم.


لا ينكر السيناويون أنه منذ ثلاث سنوات تسعى ما يسمونها «الجماعات التكفيرية من أصحاب الرايات السود» إلى فرض قوانين «البقاء للأقوى»، فظلّت تطارد كلّ الرافضين لوجودهم إلى حدّ القتل، لكنهم لا يخفون شعورهم بالمأساة بسبب «مداهمات الجيش التي أودت بأرواح أبرياء من المدنيين». وكذلك لم تسع الدولة إلى تحسين الخدمات لأهالي سيناء وتقوية صمودهم، وفق ما يؤكدون.
أما الكمين الأخير في «كرم القواديس» بين العريش والشيخ زويد، فكان بوابة لأزمة جديدة. يقول أحد شيوخ القبائل ويدعى عبد الهادي إن «الكمين كان هجوماً متعدّد المراحل، واستمرّ نحو عشرين دقيقة على حاجز أمني يشرف على تقاطع أربع طرق فرعية». ويضيف لـ«الأخبار»: «ظلت الأسلحة النارية المتطورة وقذائف الهاون تدوّي في سماء جنوب الشيخ زويد ما جعل أهالي المناطق المجاورة يبيتون ليلة مأساوية، وخاصة أنّ عمليات المداهمة التي نفذتها عناصر التأمين، التابعة لقوات الداخلية، بدأت التفتيش والبحث عن الفاعلين الحقيقيين لهذه المذبحة بين بيوت الأهالي!».

الشبكة الإسرائيلية تصبح بديل المواطنين والمسلحين بعد قطع الإرسال
لم تبدأ العمليات البرية بصورة واسعة بعد في انتظار قرارات القاهرة

من هنا، لا يرى عبد الهادي أنّ الحلّ هو تهجير المواطنين من أراضيهم وممتلكاتهم، «بل يجب ضخّ المزيد من الاستثمارات، والتوسّع في العمران الحقيقي حتى ينشغل الشباب في مشروعات قومية ولا يشاركوا، عن رغبة أو ترهيب، في تخريب سيناء أكثر من ذلك».
مظهر آخر للمعاناة هو قطع الاتصالات والإنترنت عن شبه الجزيرة الصحراوية، وهذا ما يوقع السكان، كما يقول الحاج عبد العظيم (أحد أبناء القبائل) في «حالة موت حقيقي»، لافتاً إلى أنّ الشبكات الإسرائيليّة تكون البديل عن المصرية في حال الانقطاع.
ويوضح عبد العظيم أن شبكة «أورانج» الإسرائيلية صارت المتنفس الأوّل لمنطقة شمالي سيناء بأكلمها، بل يكشف، وفق ما لديه من معلومات، أن «غالبية التفجيرات تجري بواسطة هواتف متصلة بهذه الشبكة»، لذلك «لم يكن تعطيل الاتصالات المحلية خياراً ناجعاً في مواجهة المجموعات المسلحة».
خلال حظر التجوال الذي يبدأ من الخامسة مساءً حتى السابعة صباحاً من اليوم التالي، يلتزم سكان العريش والشيخ زويد ورفح المصرية بيوتهم، ويغلقون المحال والمراكز التجارية، فيما تمر مدرعات أمنية داخل الشوارع لتنبيه المواطنين.
وعن تفاصيل إعلان الحظر، يوضح محافظ شمال سيناء، اللواء عبد الفتاح حرحور، لـ«الأخبار»، أن حالة الطوارئ ستكون من المنطقة المحدّدة شرقاً من تلّ رفح مارّاً بخطّ الحدود الدولية حتى العوجة، «وغرباً من غرب مدينة العريش المحدد في قرية الميدان، حتى جبل الحلال، ويسري ذلك وفقاً للقرار الجمهوري رقم 366 لسنة 2014». وستظل حالة الطوارئ سارية، وفق حرحور، لمدّة ثلاثة أشهر، «أو حتى إشعار آخر».
وأفادت مصادر أمنية لـ«الأخبار» بأن قوّات أمن شمالي سيناء أغلقت مسار الطريق الدولي ضمن آليات تطبيق الطوارئ، وجرى تخصيص الطريق لمرور العربات والمدرّعات العسكرية قبل إعادة فتحه مجدداً أمام الأهالي، وذلك مع نية القوات المسلحة إخلاء المنطقة المتاخمة للشريط الحدودي مع قطاع غزة خلال المرحلة المقبلة. وأوضحت المصادر أنّ الإخلاء يأتي فى إطار خطة الجيش التي تتضمّن إقامة جدار عازل على أعماق طويلة أسفل الأرض على طول الشريط الحدودي البالغ نحو 13 كلم مع غزة، «وهو جدار يصعب اختراقه وشق أي أنفاق عبره».
وطبقا للخطة الجديدة، ستنشر المزيد من الكمائن الثابتة والمتحركة للجيش والشرطة مع دعمها بأسلحة متطورة، فضلاً على تكثيف طلعات الطائرات للتمشيط المستمر في المناطق الحدودية وداخل سيناء. وكشفت المصادر نفسها عن وصول تعزيزات أمنية إلى شمال سيناء شملت عناصر من القوات الخاصة وقيادات أمنية، «ومزيداً من عربات الهامفي المدرّعة، لكن لم تنطلق بعد العمليات البرية حتى صدور قرارات القاهرة التي ستوجّه مسار الحملات الأمنية وفقاً للمستجدات».
في غضون ذلك، تستمر أعمال المعاينة وجمع الأشلاء الصغيرة التي يرجّح أنها تعود إلى الانتحاريّ الذي نفّذ الهجوم، ومن المقرّر تحليل الحمض النووي لها لتحديد هويّته. كذلك بدأت الهيئة الهندسية «دكّ المناطق الموجودة على الشريط الحدودي عقب إغلاق معبر رفح أمام الفلسطينيين»، ومن المقرر أن «تنسق مع حرس الحدود لردم عدد من الأنفاق».
تعقيباً على المشهد، أوضح الباحث في الحركات الإسلامية، منصور عبدالكريم، أنّ أزمة سيناء «متعددة الأوجه»، وهو ما جعلها «مرتعاً لتنظيم أنصار بيت المقدس». وقدّر عبدالكريم، في حديث مع «الأخبار»، أنّ مصر اليوم أمام «جهاد الجبهات المفتوحة التي يصعب حصارها في كلّ المنطقة وليس بلادنا فقط، فهناك بيئات فاشلة وسكّان لا يمكن ضبط حركتهم»، موضحاً «أنّ الهدف من تلك العمليات إشعار الجيش بأنه محاصر».
ومضى يقول: «أنصار بيت المقدس موجود على أرض مصريّة، وله مخازن سلاح، وحينما نلقي الأمر على غزة سنسطّح المشكلة»، لكنه لم يستبعد «وجود تنسيق بين السلفية الجهادية في القطاع وعناصر التنظيم الذين لديهم لجنة إعلامية في مدينة خان يونس».




شهدت سيناء، شمالي مصر، 47 هجوماً «إرهابياً» استهدفت قوات الجيش والشرطة، وخلّفت 168 قتيلاً وعشرات المصابين منذ شهر شباط 2011 الذي شهد إطاحة الرئيس الأسبق حسني مبارك.
وهذه الأرقام تستند إلى بيانات رسمية ومصادر أمنية وطبية، ورصدت البيانات قرابة 45 شهراً من العنف بدأت منذ الشهر التالي لـ«ثورة 25 يناير» حتى الهجوم الأخير، يوم الجمعة الماضي.
وتقول التقديرات إن هذه الحصيلة كانت في عهد أربع إدارات مختلفة للبلاد، هي حكومة المجلس الأعلى للقوات المسلحة (11 شباط 2011 - 30 حزيران 2012)، والرئيس المعزول محمد مرسي (30 حزيران - 3 تموز 2013)، والرئيس السابق عدلي منصور (3 تموز - 8 حزيران 2013)، والرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي (8 يونيو - حتى الآن).