مهما كانت المبررات التي تسوقها حكومة بنيامين نتنياهو لتبرير نصب سياج أمني على الحدود الشرقية لفلسطين المحتلة، فإن ذلك لا يخفي حقيقة تقديرات إسرائيل إزاء الأخطار المحدقة بالساحة الأردنية ومفاعيلها على الأمن الإسرائيلي. وتعكس المواقف الإسرائيلية والخطط المتعددة الاتجاهات أن هناك قدراً من المخاوف الإسرائيلية من فقدان السيطرة في الأردن وتبلور تطورات غير متوقعة بفعل سرعة التطورات التي تشهدها المنطقة. في المقابل، تحاول تل أبيب استباق أي مستجدات والاستعداد لاحتواء مفاعيلها عبر مجموعة من الإجراءات، منها بناء أسيجة أمنية على طول الحدود، وصولاً إلى إحاطة فلسطين المحتلة بهذه الأسيجة لمواجهة التهديدات.

نتنياهو تجاوز حجم الجرائم التي ارتكبها جيشه طوال تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، وتحديداً إزاء الشعب الفلسطيني، وآخرها الجرائم البشعة التي ارتكبها في قطاع غزة، ورأى أن على «دولة إسرائيل أن تكون محاطة كلها بسياج»، مبرراً ذلك بأننا «نعيش في محيط، وعلينا أن ندافع عن أنفسنا من حيوانات متوحشة». كذلك لفت إلى ضرورة «إعداد خطة متعددة السنوات لإحاطة كل دولة إسرائيل بسياج أمني، من أجل الدفاع عن أنفسنا في شرق أوسط كما هو».

الجدار الأول مع مصر والثاني مع الأردن والثالث في الجولان

أتت مواقف نتنياهو خلال تفقّده السياج الذي تبنيه إسرائيل على الحدود مع الأردن، ورافقه في جولته الوزير يسرائيل كاتس، ورئيس الأركان غادي ايزنكوت، وقائد المنطقة الجنوبية في الجيش اللواء ايال زمير. ورأى الأول أن «ميزة البناء هنا، وعلى طول الحدود المصرية، هي أنه لا توجد مبان قريبة من السياج، ولا حتى على مسافة كيلومتر أو كيلومترين لتشكل فتحات لأنفاق». كذلك أوضح أن «إسرائيل تستعد لإقامة سياج شامل وعائق أرضي على امتداد 60 كلم لا يمكن اجتيازه بواسطة الأنفاق... في المقابل، ليس هذا هو الوضع في غزة، ولا حتى في الضفة الغربية، حيث توجد مبانٍ قريبة من خط الفصل الذي ندرس إقامته».
وكانت حكومة العدو قد صادقت على بناء الجدار على امتداد الحدود مع الأردن، منتصف العام الماضي. وأكد ديوان نتنياهو، في البيان الذي أعلن المشروع، أن الجدار «سيقام على الأراضي الإسرائيلية لكي لا ينتهك السيادة الأردنية». وشدد البيان على أن الأعمال تسير بالتنسيق الكامل مع الجانب الأردني. وجاء فيه أن أهمية الجدار «صارت ملحّة في أعقاب قرار الحكومة الإسرائيلية بناء مطار دولي جديد في المكان». وبادرت حكومة العدو كذلك إلى بناء جدار على الحدود الجنوبية لمكافحة «ظاهرة تسلل الأفارقة إلى إسرائيل، وجدار ثالث في هضبة الجولان بعد اشتعال الأوضاع في سوريا لصدّ دخول اللاجئين إلى إسرائيل».
ورغم أن نتنياهو يقدم استراتيجية إحاطة إسرائيل بجدران أمنية كأحد إنجازاته الشخصية، فإنه لم يكن الأول المبادر إليها. فقد تداولت الحكومات الإسرائيلية المتتالية منذ التسعينيات فكرة بناء جدار فاصل بين إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 لصدّ العمليات الاستشهادية التي كان الفلسطينيون يشنّونها في قلب المدن الإسرائيلية. وهو ما دفع رئيس الحكومة الأسبق أرئيل شارون إلى تبنّي مشروع بناء جدار الفصل رغم انتقادات يمين الخريطة السياسية الإسرائيلية ويسارها.
في الوقت نفسه، أوضح رئيس «لجنة الخارجية والأمن» التابعة للكنيست، تساحي هنغبي، أن العائق البري الجديد الذي أقيم على الحدود مع الأردن يهدف من بين عدة أمور إلى التصدي لإمكانية تنفيذ تنظيم «داعش» عمليات من الحدود الشرقية. وأضاف هنغبي أن إسرائيل «تستعد لمواجهة سيناريو يتمثل في عجز النظام الأردني عن منع جميع عمليات التسلل إلى البلاد»، مشيراً إلى وجود عناصر مؤيدين للتنظيم في الأردن.
في المقابل، اشتدت الخلافات بين نتنياهو ووزير التعليم ورئيس حزب «البيت اليهودي»، نفتالي بينيت، التي نشبت حول معالجة تهديد الأنفاق، ولكن هذه المرة على خلفية الموقف من بناء أسيجة أمنية. ورأى بينيت في إعلان نتنياهو إحاطة الدولة كلها بالسياج مناسبة من أجل انتقاد نتنياهو والتشكيك في الخطة.
وبعد عدة ساعات خرج بينيت ضد الخطة، وقال: «رئيس الحكومة تحدث اليوم عن ضرورة إنشاء أسيجة. نحاصر أنفسنا بالأسيجة. في أستراليا ونيوزيلاند لا حاجة إلى الأسيجة. نحن هنا نمرّ بتغيير من صهيونية الأمن والبقاء إلى صهيونية يهودية». لكن المقرّبين من نتنياهو ردّوا على بينيت وقالوا: «تصريحات بينيت مستهجنة. لو لم يتم بناء سياج على حدود مصر، حسب رؤية رئيس الحكومة، لكانت إسرائيل ستغرق بمئات آلاف المهاجرين من أفريقيا وناشطي داعش». يشار إلى أن انتقاد بينيت جاء في الوقت الذي تدهورت فيه العلاقات بينه وبين نتنياهو بسبب المواجهة على شكل معالجة تهديد الأنفاق، وهو خلاف جرى تسريبه في الأيام الأخيرة.