القاهرة | مع بداية العام الدراسي الجديد قبل نحو ثلاثة أسابيع، عادت الحركة الطالبية والاحتجاجية ضد السلطة لتتصدّر المشهدين السياسي والإعلامي في مصر. وتجدّدت التظاهرات والفعاليات الطالبية الاحتجاجية منذ أول أيام العام الجامعي، الذي بدأ متأخراً نحو شهر عن موعده المعتاد، في خطوةٍ رأى البعض أنها تعكس تخوف السلطة من بدء العام الدراسي.


وكان العام الماضي قد شهد ذروة الصدام بين الطلاب في جامعات البلاد وقوات الشرطة، تساندها قوات الجيش في بعض الأحيان. ووصل الاحتكاك إلى حدّ نزول أفراد من فرقة «المظلات»، إحدى فرق النخبة في الجيش المصري، إلى محيط كليات البنات في «جامعة الأزهر»، في عام دراسي مرّ بقسوة وعنف على الطرفين، في وقتٍ لم تتوقف فيه عمليات إحراق سيارات الشرطة والمكاتب الإدارية الخاصة بالجامعة طوال العام في محيط «جامعة الأزهر».
يحظى «الإخوان المسلمون» بوجود قوي داخل الأوساط الطالبية الأزهرية، حيث كان يُعدّ «جيل النصر المنشود»، مسمى الذراع الطالبية لـ«الإخوان» داخل «جامعة الأزهر»، إحدى أذرعها القوية التي خاضت بها مواجهات مع الدولة، انتهت بما يعرف بقضية «ميليشيات جامعة الأزهر» عام 2006، حين اعتُقل قادة العمل الطلابي الإخواني، وأحيل عدد كبير من القادة على المحاكمة العسكرية، على رأسهم نائب المرشد، خيرت الشاطر، قبل أن يقرر الرئيس الأسبق حسني مبارك الإفراج عن الطلاب لاحقاً.
أحد أبرز تلك الصدامات، وقع حين جرى نشر رواية «وليمة لأعشاب البحر»، للكاتب السوري حيدر حيدر عام 2000 التي عدّ قطاع واسع من المصريين أحداثها وتفاصيلها «مساساً بالمقدسات الدينية»، بالإضافة إلى طبعها على نفقة وزارة الثقافة. لهذا السبب، اندلعت تظاهرات احتجاجية كبيرة في «جامع الأزهر» وفي المدن الجامعية الأزهرية. على أثرها، قررت السلطة خفض عدد ساكني المدينة الجامعية من الطلاب، إلى حده الأدنى، ووضع قيود على راغبي السكن في المدن الجامعية.
وبحسب المراقبين، فإن التنشئة والحصيلة الدينية المعرفية التي يتلقاها الطالب الأزهري، تخلقان فجوة بين ما يدرسه من صحيح الدين، وما يراه في المجتمع، وهو ما يقوي النزعة الاحتجاجية لديه، بالإضافة إلى أن النشأة الريفية وفي الصعيد ترسّخ قيم التضامن والتكاتف بين الطلاب في مواجهة ما يرونه تهديدا لهم، وهو ما تؤكده عشرات الصدامات بين الأمن والحرس الجامعي على خلفيات غير سياسية. من بين تلك الصدامات على سبيل المثال، تعدّي الأمن على أحد الطلاب بسبب مشادة كلامية تحولت إلى حركة احتجاجية واسعة في الجامعة والمدينة الجامعية.
وفي حديث لـ«الأخبار»، يقول رئيس نادي أعضاء هيئة التدريس في «جامعة الاسكندرية»، عمر السباخي، إن أحد أسباب تصدّر «جامعة الأزهر» للحركة الطلابية الاحتجاجية هو «المستوى العالي من التعليم والنشأة الدينية الاذان يصل إليهما الطلاب في مراحل التعليم ما قبل الجامعي، وهو ما يستثير الحمية والعاطفة الدينية لديهم، وهي محرك أساسي في الاحتجاج»، مضيفاً أنه «على نحو إجمالي هناك فكرة مترسخة عند عموم المصريين أن التعليم الديني هو للمنضمين للفئات الاجتماعية الضعيفة أو المهمشة، وهو ما يضاعف من شعور متزايد بالمظلومية الناتجة من النشأة في بيئات متواضعة ترسخ من إحساس متزايد بالظلم وعدم الحصول على كل الحقوق المستحقة، بعد أكثر من 3 سنوات من الثورة على مبارك».
ويرى السباخي، الباحث المتخصص في الحركة الطلابية، أن عوامل التذمر لدى طلاب الجامعات تحديداً أكبر منها عند المواطن العادي، مستدركاً بالقول «إلا أنها تزيد بوضوح عند طلاب جامعة الأزهر بسبب المستوى العالي من التعليم الديني، إضافة إلى أن إدارة الأزهر كمؤسسة تعليمية، ولأنها جزء من السلطة الحاكمة، تنفصل مطالبها تماماً عن الحركة الطلابية». ويقول إن «الإدارة تبحث عن مميزات مادية أو إدارية لأفرادها أو الاستقرار وضبط القواعد والالتزام بها، وهو أمر لا يعني الطلاب بالأساس، لأن الإدارات تقف دائماً في صف الحاكم، والطلبة في صف آخر مناوئ».
وبخلاف الرأي السابق، فإن الباحث المتخصص في الحركة الطلابية، أسامة الهتيمي، يرى أن جامعة الأزهر لم تكن في طليعة الحراك الطلابي في ما يتعلق بالحراك على نحو عام، لكنه يضيف «غير أن ارتفاع وتيرة الحراك فيها، وخصوصاً بعد 30 حزيران 2013، مردّه الأساسي إلى حالة التقارب الفكري الشديد مع الإخوان المسلمين والنظر إليه كطرف جرى إسقاطه من الحكم. لذلك، ينحاز طلاب الأزهر بحكم النشأة الدينية القوية إلى المشروع الاسلامي، ويعتقدون أن ما جرى هو طعنة موجهة لهم لانتمائهم إلى المشروع نفسه».
ويشير الهتيمي إلى أن «الحركة الطلابية دائماً ما كانت على عكس ما ترغبه الإدارة منذ الثلاثينات، وهي ترمومتر الشارع المصري وما يطمح إليه الشارع المصري، وعادةً ما تقفز الحركة على توجهات السلطة، فإذا كان هناك حالة من العوز الاقتصادي، الحركة الطالبية هي أول من يتقدم للمطالبة بالحقوق الاقتصادية أو الحريات على اعتبار أن هذه الفئة من الطلاب ليست لها حسابات سياسية، وتتعامل وفق ايمانها بالقيم المطلقة والمجردة، بعيداً من الحسابات السياسية للقوى والتيارات السياسية».
ويرفض الهتيمي ما سماها «محاولة تفسير العمل السياسي بالبيئة الاجتماعية المحددة»، باعتبارها محاولة مغلوطة، لأن أبناء القاهرة والمدن على نحو عام يمثلون في مجموعهم نسبة 90 في المئة من السكان، مع ما تمثله النشأة الريفية من زيادة في الوازع الديني، مضيفاً أنه حتى بافتراض أن قطاعات واسعة من طلاب «الأزهر» تنتمي إلى فئات اجتماعية متواضعة، إلا أنهم في النهاية جزء من التركيبة الاجتماعية والمصرية، ولهم حق المطالبة بحقوقهم.