امتداداً للخط العام الذي يحكم الأداء الإسرائيلي في مواجهة الفلسطينيين، لم تكتف حكومة بنيامين نتنياهو بالرد الأمني والسياسي على الاحتجاجات الفلسطينية في القدس المحتلة الذي توزّع بين حملات الاعتقال والقمع من جهة، وبين توجيه الاتهامات إلى السلطة تارة، وفصائل المقاومة تارة أخرى.


الرد هذه المرة تجاوز ما سبق نحو تثمير الأحداث التي تشهدها القدس على المستويين الاستيطاني والسياسي الحكومي، فإسرائيل تحاول أن تستغل كل حدث لتمرير مشاريعها الاستيطانية تحت مظلة بالأحداث السياسية والأمنية، حتى باتت تلك المشاريع إحدى وسائل العقاب، فضلاً عن كونها تعبيراً عن الاستراتيجية التي تعتمدها لتهويد الأرض ومحو أصلها العربي والإسلامي.
على المستوى الحكومي، استغل نتنياهو المشهد المتوتر لتمرير صفقات تتصل بمطالب معسكر اليمين المتطرف على المستوى الاستيطاني في مقابل تثبيت حكومته وتوفير قدر من الاستقرار لها في المرحلة الحالية.
ضمن هذا الإطار، تندرج التعليمات التي وجهها رئيس حكومة العدو بدفع مخططات لبناء نحو ألف وحدة سكنية شرقي القدس موزعة بين مستوطنة «هارحوما» بـ400 وحدة سكنية، و«شلومو» بـ660 وحدة إلى جانب مخططات أخرى لمشاريع بنى تحتية واسعة في مستوطنات الضفة المحتلة.
تبرز أهمية هذه «الوجبة» الاستيطانية في أنها داخل شرقي القدس تحديداً، وهو أمر ينطوي على إشكالات سياسية تتصل بعملية التسوية.
في ما يتعلق بمستوطنة «هارحوما»، يقع الأمر ضمن خطة إسرائيلية تهدف إلى إيجاد منطقة عازلة بين بيت لحم وشرقي القدس، وهو نفسه مخطط تقطيع أوصال الأراضي المحتلة عام 67 التي يفترض أن تكون ساحة لإقامة الدولة الفلسطينية المنشودة.
ونتيجة الأبعاد التي ينطوي عليها الاستيطان في هذه المنطقة، حذر الاتحاد الأوروبي، الحكومة الإسرائيلية، من مغبة استمرار البناء الاستيطاني في القدس والضفة، كما ورد «البناء في جبل أبو غنيم» ضمن «النقاط الحمر» التي تضمنتها وثيقة أرسلها الاتحاد الأوروبي إلى تل أبيب.
على مستوى التثمير السياسي والحكومي، كشفت القناة الثانية في التلفزيون العبري عن صفقة بين نتنياهو ومعسكر اليمين تضمن له استقرار الحكومة، وتشمل دفع مشاريع بناء استيطانية واسعة.
وأوضحت القناة أن نتنياهو قرر تعزيز التحالف مع الجناح اليميني في حكومته، ووافق على صفقة لإنهاء «التجميد الهادئ» للاستيطان عبر مشروعات ضخمة، بما فيها مشروع استيطاني في قلب الحرم الإبراهيمي، في الخليل، وكل ذلك لاستقرار ائتلافه الحكومي. ولفتت أيضاً إلى أن هذه الصفقة أتت بعد تهديد وزير الاقتصاد ورئيس البيت اليهودي، نفتالي بينيت، بالانسحاب من الاتئلاف إن لم يتوقف «التجميد الهادئ» للبناء.
ووفق تقرير القناة، اجتمع نتنياهو، يوم الأربعاء الماضي، مع بينيت، وأحد كبار قيادة الحركة الاستيطانية في الضفة ويدعى زئيف حافير، (زامبيش)، وناقشوا سبل تعزيز المستوطنات. وخلال الجلسة، قال بينيت لنتنياهو إن (يائير) لابيد و(تسيبي) ليفني لا يبديان رغبة، أو غير معنيين، بانتخابات مبكرة، لذا يتعين عليه أن ينتهز الفرصة من أجل التصديق على مشاريع استيطانية في الضفة. وأضاف التقرير: «بعد الجلسة مباشرة انطلقت المحادثات بين مجلس ييشع ومكتب نتنياهو، فأُحرز تقدم كبير، وبلوروا خططاً تتضمن إقرار بناء آلاف الوحدات السكنية في المستوطنات، بل تقرر البدء بأعمال البنى التحتية حتى قبل إقرار المشاريع رسمياً».
وتشمل المخططات، فضلاً عن البناء الاستيطاني الواسع، شق 12 طريقاً جديدة للمستوطنات، كذلك بحثت جلسة المداولات إعادة تسوية البؤر الاستيطانية العشوائية، وعمليات ترميم وتوسيع في الجزء الذي استولت عليه إسرائيل في الحرم الإبراهيمي.
وعن ردود الفعل الداخلية والخارجية، تسود تقديرات بأن هذه المشاريع، رغم أنها ستحظى بمواقف معارضة، لن تؤدي إلى أزمة ائتلافية، ولن تجبر الوزيرين لابيد وليفني على الانسحاب من الحكومة. ومن جانب آخر، حذر مسؤول سياسي من أن نتنياهو سيواجه ردود فعل دولية رافضة، وقال إنه في ظل توقف المفاوضات مع الفلسطينيين، فإن هامش المناورة لدى نتنياهو يتقلص حتى الصفر. ونقل موقع القناة الثانية نفسها عن ديبلوماسي غربي قوله، إن «خطوة من هذا النوع من شأنها أن تعزز في أوروبا التوجه إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية دون مفاوضات».
وبعد بث التقرير، أصدر حزب «العمل» بياناً دعا فيه رئيس حزب «يوجد مستقبل» يائير لابيد، ورئيس حزب «الحركة» تسيبي ليفني، إلى «العمل على منع هذه الخطوة»، ووصف الحزب موقف نتنياهو بأنه «يبيع مصالح دولة إسرائيل السياسية مقابل بضعة أشهر إضافية له كرئيس وزراء». وأضاف بيان «العمل»: «إذا كان هذا هو حل نتنياهو للأزمة السياسية الحادة، أو لقضية غلاء المعيشة في إسرائيل، فإنه فقد طريقه تماماً».
ورغم استبعاد أن تبادر ليفني ولابيد إلى الاستقالة، فقد وجّه كل منهما انتقاداً شديداً إلى المشاريع الاستيطانية في هذه المرحلة، إذ رأت ليفني أنّ «خطة البناء، حتى لو كانت ضمن الكتل الاستيطانية، تعبّر عن انعدام المسؤولية الأمنية والسياسية في هذا الواقع المتفجر». كذلك أعرب لابيد عن معارضته الشديدة لـ«تنفيذ خطة بناء استيطاني واسع»، وطبقاً لما صدر عن مكتبه، فإن هذه الخطوة «ستقود إلى أزمة خطيرة في العلاقات بين إسرائيل والولايات المتحدة، وستمسّ مكانتها في العالم».