لم يعدّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان رئيس حزب «الاتحاد الديمقراطي» في سوريا، صالح مسلم، «إرهابياً»، حين استقبله وناقش معه الوضع في عين العرب (كوباني). إلا أنّ أردوغان وصف مسلم بـ«الإرهابي» عندما امتنع الأخير عن تنفيذ شروطه التي كان يمكنها أن تؤدي إلى تسليم كوباني إلى تنظيم «الدولة الإسلامية».

ما «اقترفه» مسلم هو أنه تخطّى أنقرة وانفتح على واشنطن، ما أثار غضب المسؤولين الأتراك الذين يطغى التوتر على علاقتهم بواشنطن، ما برز مع إرسال الأخيرة مساعدة عسكرية جوية لحزب مسلم، من دون موافقة الحكومة التركية.

حدث ذلك إثر لقاء صالح مسلم بالمبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا، دانيال روبنشتاين، في فرنسا منتصف الشهر الحالي، ثم اجتمع بعد أسبوع فقط بنائب مستشار الأمن القومي طوني بلينكن، وأكد له أن الحزب «مستعد للقتال ضد داعش».
بعد إبلاغ الرئيس الأميركي باراك أوباما أردوغان بقراره إرسال المساعدة العسكرية للأكراد، بدأت الطائرات الأميركية بإلقاء الأسلحة والمساعدات العسكرية في كوباني. لم يتأخر أردوغان في الإعلان عن أن هذه المساعدات تقع بيد «داعش». واشنطن اعتبرت هذه التصريحات تهدف إلى نشر الدعاية التي يبثها «داعش»، داعيةً أردوغان الذي لا يريد الانخراط مع «التحالف الدولي» إلى التوقف عن هذه التصريحات.
وباتت واشنطن ترى أن أنقرة تؤدي دوراً مزدوجاً، عبر وقوفها في صف الجماعات الاسلامية التي لا تريد مقاتلة «داعش». من جهتها، سارعت أنقرة إلى رفض تلك الاتهامات، وأكدت أن الفروقات واضحة بين السياسة الأميركية وبينها، حيث كل طرف منهما يرى مصدراً مختلفاً للتهديد.
ترى أنقرة التهديد آتٍ من الأكراد الموالين لحزب «العمال الكردستاني» الذي تعدّه «إرهابياً». وانطلاقاً من هنا، أوضح أردوغان موقفه لأوباما، مؤكداً أن المدنيين الأكراد السوريين «قد فرّوا إلى تركيا ولم يبقَ سوى مقاتلي الاتحاد الديمقراطي».
لم تعد أنقرة، اليوم، اللاعب الوحيد في الشأن الكردي. أصبح هناك المزيد من اللاعبين، ولم يعد لها القول الفصل في المنطقة بشأن الأكراد. حيث إن الولايات المتحدة الأميركية بدأت تنتقد تلكّؤ تركيا عن حلّ المسألة الكردية في الداخل التركي، وبكونها لم تشجع مؤيديها على دعم مسار السلام مع الأكراد. لذا، لا يمكن التعويل عليها في ما يخص وضع الأكراد في المنطقة، بعد تدخل واشنطن. فإن أنقرة لم تستطع إقناع أوباما بوجهة نظرها التي اعتبرتها واشنطن «ضعيفة» و«لا تتوافق مع رؤية واشنطن».
كذلك، أكد أردوغان أنه صاحب اقتراح إرسال البيشمركة إلى كوباني بدلاً من التسليح الجوي، إلا أنه راوغ في التطبيق، بعدما أعربت القوات العسكرية التركية عن عدم رضاها بإقامة ممرّ لقوات إقليم كردستان العراق. وبعدما أنجزت الفصائل الكردية الاتفاق في ما بينها، وُضعت الحكومة التركية تحت الضغوط لتغيير موقفها، إذ جاءها الضغط من حليفتها الولايات المتحدة التي تريدها المشاركة في القتال ضد «داعش». وجاءت تصريحات المتحدث باسم حزب الاتحاد الديمقراطي حول بدء الحزب لعملياته مع «التحالف» ووجود ممثل له في هذا التحالف بمثابة «صدمة» للحكومة التركية، وهو مؤشر على فقدانها التأثير على مجريات الأحداث.
في الوقت عينه، حشد الإعلام الغربي طاقاته ضد الموقف التركي واتهم الحكومة بمساندة «داعش» والتمييز ضد الأكراد، الأمر الذي حمل الحكومة التركية على التصريح بأنها ساعدت الأكراد، والتأكيد على أن تصريحات أردوغان ما هي إلا محاولة منه لتطمين القوميين الأتراك. وجاء الضغط أيضاً من الداخل حيث ربط أكراد تركيا مصير محادثات السلام مع حزب «العمال الكردستاني» بأحداث كوباني. إلى ذلك، أثبتت أعمال العنف التي شهدتها تركيا أن أحداث الشمال السوري مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالداخل التركي. لم تنجح أنقرة في اللعب على تناقضات الأكراد واستخدام ورقة الخلافات الكردية ـ الكردية، بعدما استغلت علاقتها مع رئيس كردستان العراق مسعود البرزاني من أجل الضغط على حزب «الاتحاد الديمقراطي» في سوريا. إلا أن هذه الورقة فقدت زخمها بعد هجوم «داعش» على المناطق الكردية في العراق وبعد المساعدة التي تلقتها البيشمركة من إيران و«العمال الكردستاني»، وأيضاً بعد صمود «الاتحاد الديمقراطي» في وجه «داعش». وفي المقابل، أقرّ البرلمان العراقي المساعدة لكوباني بعد قيام الأحزاب الكردية («الوطني الكردستاني»، حركة «غوران») بالضغط على البرزاني من أجل وضع الخلافات جانباً. كذلك، جاءت موافقة تركيا على دخول البيشمركة مع أسلحتهم إلى كوباني لتتيح تشكيل توازن مع حزب «الاتحاد الديمقراطي».
لكن من جهة أخرى، يرى القوميون الأتراك والمعارضون أنه ليس هناك أي ضمان بشأن عدم وصول الأسلحة الثقيلة التي قدمتها البيشمركة لحزب «الاتحاد الديمقراطي» إلى «العمال الكردستاني». ويعتقدون أن تركيا أصبحت تؤدي دور الأداة بدلاً من أن تكون قوة فاعلة في المنطقة. هي تجلب الكرة إلى أرض الملعب بدلاً من تسجيل الأهداف.