يشكو الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من التناقضات بين سياسته وسياسة واشنطن تجاه ثلاثة ملفات أسياسية: أولاً محاربة «الدولة الاسلامية» (داعش)، ثانياً الموقف من الأكراد، وثالثاً الصراع على مستقبل سوريا. لا تؤيد تركيا وجهة نظر الرئيس الأميركي باراك أوباما بشأن هذه القضايا، لأنها تعتقد أن سياسته غير مجدية في قتال «داعش»، وغير واضحة لناحية الموقف من النظام السوري.


وتدّعي أنقرة أنها قدّمت الدعم الكافي، حين صوّت البرلمان التركي لمصلحة استخدام الولايات المتحدة الأميركية أراضيها لقتال «داعش»، وهي ترى أن ذلك الدعم يتوافق مع موقعها في حلف «شمال الأطلسي»، لكنها في الوقت نفسه، ترى أنها تتكبد خسائر مادية ومعنوية جراء إيوائها اللاجئين الأكراد من كوباني، حيث تدعي أن استقبالهم «أكثر فاعلية» من السلاح الذي توفره لهم واشنطن، وأكثر تكلفة.
بعد فوز الجمهوريين بغالبية مقاعدة مجلس الشيوخ الأميركي في الانتخابات النصفية، تتوقع أنقرة أن تتضح سياسات الرئيس باراك أوباما حول المسألة الكردية وحول نظام الرئيس الأسد. وتابعت وزارة الخارجية التركية عن قرب مسار التغييرات التي حصلت في واشنطن، وهي تعتقد أن ثمة تعديلات يمكنها أن تطرأ على الأمن والسياسة الخارجية الأميركية. وبرغم أن مسار السياسة الخارجية الاميركية يبقى في يد أوباما، إلا أن الجمهوريين قد يحاولون دفعه إلى اتخاذ خطوات عملية وربما عسكرية، وخصوصاً بعد التغيرات التي حصلت في المشهد العراقي، حيث باتت الحكومة غير قادرة على ضبط كل حدودها. وبالنسبة إلى سوريا التي تدعمها روسيا، يمكن القول إن إمكان ضبط الحدود أسوأ مما هو عليه في العراق.
ترى تركيا أن هناك حرباً باردة جديدة، وأنها واقعة في وسطها، بين أوكرانيا من الشمال، وسوريا من الجنوب، إضافة إلى تشاركها الحدود مع العراق وسوريا، وخصوصاً أن «الأطلسي» يعتمد اليوم على تركيا في وجه التحركات الروسية الأخيرة في أوكرانيا ودول البلطيق.
وتمسك تركيا بالبوسفور، في وقتٍ تسيطر فيه روسيا على البحر الأسود والمياه الدافئة للمتوسط. وتضم الاراضي التركية قواعد لـ «الأطلسي»، منها قاعدة انجرليك والرادارات التابعة لمشروع «الدرع الصاروخي الأميركي».
ترى أنقرة أن نقد واشنطن لتعاطي أردوغان مع القضايا الداخلية، وحملة الصحف الغربية عليه والتشهير بأسلوبه في الحكم واستفراده بالسلطة، كل ذلك لن يحمل أوباما على التضحية بالدور العسكري التركي الذي يحتاجه في مشروعه الإقليمي.
أما التلويح بـ «كردستان الكبرى»، فيبقى مشروعاً غير واقعي. فالحكم الذاتي للأكراد بحاجة إلى تركيا لينجح، تماماً كخيار رئيس إقليم كردستان العراق مسعود البرزاني، الذي يعتمد على العلاقات الاقتصادية والتجارية مع تركيا.
كذلك، يُعد الأميركي العرّاب الحقيقي لكل المشاريع الكردية في المنطقة، وخصوصاً لمحادثات السلام الكردية التركية بين الحكومة وزعيم حزب «العمال الكردستاني» عبدالله أوجلان، وذلك على قاعدة إعادة تنظيم الداخل التركي وإعطاء المجالس المحلية صلاحيات تنظيمية، من بينها سلطة محلية مستقلة للأكراد ضمن الوحدة التركية. أما عكس ذلك، فهو يعني تقسيم تركيا وضرب منظومتها الاقتصادية والسياسية.
إذاً، هل تصح توقعات أنقرة بالنسبة إلى مستقبل السياسة الاميركية في المنطقة؟ برغم امكانية مجلس الشيوخ التدخل للضغط على أوباما من أجل تغيير سياسته، من المرجح أن يبقى ذلك بعيد المنال، نظراً إلى حق الرئيس في استخدام حق النقض. ويبيّن مسار تعاطي أوباما مع سياسة نظيره التركي أنه مختلف عن رؤيته لتركيا الأطلسية، لذلك هو لن يعادي تركيا لكنه لن يقبل مشاريع أردوغان.