مصر كلّها (ومعها العرب) قلقة اليوم على صحّة محمد حسنين هيكل. يمرّ «الأستاذ هيكل» في حالة صحيّة صعبة منذ ثلاثة أسابيع، وقد رفض الانتقال إلى المستشفى مفضّلاً رعاية نجله الدكتور علي. لكن الخبر تسرّب الى الاعلام أخيراً، وأشارت التسريبات إلى تعقيدات في الرئة وفي الكلية، ما أثار امتعاض العائلة التي بقيت متحفّظة على أي تواصل مع الصحافة. واكتفى مصدر مقرّب من العائلة بنفي أن يكون الكاتب الكبير قد تقدّم بطلب إلى النائب العام، للسماح لنجله الأصغر حسن بالعودة إلى مصر حيث صدر في حقّه «قرار تعقّب وضبط» في قضايا ماليّة. وطالب المصدر نفسه الاعلام باحترام خصوصيّة الكاتب الكبير، وعدم نشر معلومات عن صحّته إلا ما يصدر عن الأسرة. «ادعوا للأستاذ»، كتب صلاح منتصر في «الأهرام»، فيما أوقف أحمد المسلماني مقالاته النقديّة لهيكل، التي كان ينشرها في «المصري اليوم»، في انتظار أن يعود الاستاذ «إلى شاطئ الصحّة والعافية».

محمد حسنين هيكل سينتصر في هذه المعركة!

إنّه أكثر من كاتب وصحافي وسياسي ومراقب استراتيجي وخبير في السياسات العربية والدوليّة. تنقّل بين مناصب سياسيّة عدّة، في منعطفات حاسمة من تاريخ مصر، وكان صديقاً ومستشاراً (وخصماً شرساً أحياناً) لرؤساء مصر، منذ الزعيم جمال عبد الناصر، ولعظماء القرن العشرين في السياسة الدوليّة والدبلوماسيّة الغربيّة…. أكثر من كل ذلك، الأستاذ محمد حسنين هيكل (1923) هو الشاهد الأكبر على تاريخ مصر الحديث منذ ثورة يونيو، بل منذ عهد الملك الفاروق، إذ بدأ رحلته مع الصحافة في مطلع الأربعينيات. وتكفي مراجعة مؤلفاته التي لا تحصى لقراءة تاريخ مصر والمنطقة العربيّة برمّتها، بقضاياها المصيريّة، وصراعاتها السياسيّة، وطبيعة أنظمتها، وقضيتها المركزيّة فلسطين، والصراع مع العدو الاسرائيلي… إنّه الشاهد الملك على تاريخنا المعاصر. نظر إليه من داخل كواليس الذين صنعوه، وعبر كل الحقبات والمراحل، والتحوّلات، والثورات… واكب الأحداث المفصليّة بوعيه المتوقّد، وثقافته الواسعة، وخبرة واسعة راكمها عبر العهود، وحسّه السياسي المرهف، ورؤيته التحليليّة، وقلمه المميّز. من تأميم قناة السويس إلى محادثات الوحدة، من حرب الأيام الستة إلى حرب العبور، مروراً بكامب دايفيد وكل ما تلاها من تنازلات وانهيارات…. ومن الحقبة الناصرية التي صار أحد أهم مراجعها، إلى صعود وانهيار السادات الذي لخّصه بـ«خريف الغضب»، وصولاً إلى رهانه الخجول على السيسي بعد «ثورتي» 25 يناير و30 يوليو…
رئيس تحرير «الاهرام» (منذ 1957 إلى أن أخرجه منها السادات عام 1974)، ومؤسّس مركزها الشهير للدراسات السياسّية والاستراتيجيّة (1968). بات مع السنوات، بلغته وأسلوبه ومعلوماته وتحليلاته، مرجعاً لا يمكن تجاهله، ومدرسة في الصحافة السياسيّة، وفي الكتابة والتحليل الاستراتيجي للسياسات والصراعات. كتب هيكل وفكّر، ونظر إلى المشهد السياسي العام، انطلاقاً من وعيه القومي الذي لم يتزعزع مع السنوات، حتّى بعدما استبد بنا التفتّت، وبدأت الأقطار العربية بالتقوقع والانغلاق على عصبيّاتها، وفقدت مصر دورها القيادي للأمّة العربيّة. على الرغم من هذا الانحسار، لم يتخلّ عن رؤيته القوميّة الواسعة في تحديد المواقف وقراءة الاحداث، واستشراف المستقبل.
في حوار على محطة CBC المصريّة مع لميس الحديدي أواخر العام الماضي، رثى هيكل لحالة الضياع العربي، وأسف لكوننا «نسينا فلسطين». وأضاف: «تذكَّري ما قاله دايان، من أن جيش الدفاع الاسرائيلي قوة ردع فقط في مواجهة العرب. ما يمنع العرب عنا، وأنا مطمئن إلى كونهم سيبقون بعيدين عنّا، أنّهم غارقون في تناقضاتهم وصراعاتهم. نظرية الأمن الاسرائيلي أن يدخل الوطن في بعضه، ويقاتل بعضه، ويترك اسرائيل».
اليوم، من بيروت التي تواجه الوحش الاسرائيلي وجحافل التكفير والسرطان المذهبي، ندعو لأستاذنا بأن ينتصر في هذه المعركة، وبأن يستعيد صحّته سريعاً، ويعود الى مواكبة الأحداث بنظرته الثاقبة، عند هذا المنعطف الحرج والصعب من تاريخنا المعاصر.