القاهرة | يبدو أنّ أوّل أزمة اقتصادية تواجه الرئيس عبد الفتاح السيسي وحكومته، بعد وصوله إلى السلطة في شهر حزيران الماضي، هي مسألة الودائع القطريّة، التي أنعشت الاقتصاد خلال حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي. ويتأكد ذلك في ظلّ رفض الدوحة تمديد بقاء الودائع في المصرف المركزي المصري مع حلول موعد استحقاقها، الأمر الذي سيخلق أزمة للمصرف في توفير الدولار، وانخفاض الاحتياطي النقدي.


وكانت القاهرة قد سدّدت، خلال الأيّام الماضية، 500 مليون دولار للدوحة، فيما يتعيّن عليها ردّ ملياري دولار، قبل نهاية العام الجاري، مع انتهاء أجل الودائع في المصرف المركزي المصري.
ويعوّل خبراء الاقتصاد المصري على منح خليجية تعوض الفارق في رد المنحة القطرية، علماً بأنّ الكويت أدخلت مليار دولار، قبل أيام، ضمن المنح التي كانت قد تعهدت بها لدعم مصر بعد إسقاط نظام "الإخوان"، وهو المبلغ الذي سيخفف من الآثار السلبية لردّ الوديعة القطرية، في وقت لم يحقق فيه الاقتصاد المصري أيّ تحسن يذكر.
كذلك، تخضع الحكومة المصريّة لضغوط اقتصاديّة نتيجة المستحقّات لصالح شركات البترول، المتأخرّة منذ أكثر من عام بسبب الأزمات السياسيّة، والواجب تسديدها بالدولار، إضافة إلى القروض التي يتمّ تسديد أقساطها شهرياً بالدولار أيضاً. ويأتي ذلك في الوقت الذي تحاول فيه حكومة رئيس الوزراء، إبراهيم محلب، الالتزام بتعهداتها تجاه الشركات الأجنبية، لتحسين صورة الاقتصاد المصري أمامها.
عموماً سبق أن ردت مصر وديعةً قطرية بمبلغ ملياري دولار، في أيلول من العام الماضي، إثر إطاحة الرئيس محمد مرسي، بعدما رفضت الدوحة بقاءها في المصرف المركزي المصري، أو تحويلها إلى سندات.
وانعكست أزمة ردّ الوديعة إلى الدوحة مبكراً على سوق الصرافة، فارتفع سعر صرف الجنيه مقابل الدولار إلى 7.55 قروش في السوق السوداء، بزيادة قدرها 15 قرشاً عن الأسبوع الماضي، ما يعيد أزمة النقص الحاد في توفير العملة الصعبة للمستثمرين إلى الواجهة، وخاصة مع صعوبة طرح المصرف المركزي عطاءات بالدولار من أجل تخفيض الأسعار في السوق الموازية، بسبب صعوبة السحب الإضافي من الاحتياطي النقدي، الذي وصل إلى 16.87 مليار دولار، وهو نصف ما كان عليه الاحتياطي خلال الأيام الأخيرة لنظام الرئيس المخلوع حسني مبارك.
وبرغم تعويل الحكومة المصرية على مؤتمر المانحين، الذي دعا الملك السعودي، عبد الله بن عبد العزيز، إلى إقامته من أجل دعم النظام المصري الجديد، إلّا أنّ وزير المال، هاني قدري دميان، أعلن، أول من أمس، تأجيله من شهر شباط المقبل إلى آذار، من دون تحديد موعد دقيق لانعقاده، مبرراً التأجيل بتزامن الانعقاد مع رأس السنة الصينية.
لكن مصدراً رسمياً مصرياً قال لـ"الأخبار" إنّ "قرار التأجيل جاء مرتبطاً بعوامل عدة، من بينها إجراء التعديلات اللازمة على قوانين الاستثمار لتشجيع المستثمرين على ضخ استثماراتهم دون الخوف من الملاحقات القضائية لمدى قانونية العقود أمام المحاكم المصرية، إضافة إلى الانتهاء من إجراء الانتخابات البرلمانية، التي تشكل المرحلة الثالثة في خريطة الطريق، وخاصة أنّ الدول الغربية تنظر باهتمام إلى هذه الانتخابات. وانعقاد المؤتمر دون إجرائها سيؤدي إلى تراجع الاستثمارات المتوقعة منه".
ويضيف المصدر إنّ الحكومة تتوقع استثمارات ضخمة من الصين وروسيا والولايات المتحدة، كما تتوقع مشاركة وفود اقتصادية رفيعة، بالإضافة إلى منح خليجية جديدة خلال المؤتمر، وخاصة من السعودية، مشيراً إلى أنّ "الحكومة استعانت ببيوت خبرة عالمية لتنظيم المؤتمر، لتتحقق أفضل استفادة ممكنة منه لدعم الاقتصاد المصري، وعرض المشروعات التي يمكن الاستثمار فيها، وخاصّة محور قناة السويس الجديدة".
أمّا رئيس "المنتدى المصري للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية"، رشاد عبده، فيعتبر من جانبه أن "التأجيل في صالح دعم الاقتصاد المصري خلال المرحلة الحالية، وخاصة أن انعقاد البرلمان ومشاركة أعضائه في المؤتمر سيكون رسالة طمأنة للمستثمرين الأجانب، بشأن استقرار الأوضاع في مصر"، مشيراً إلى أنّ الحكومة اتخذت قراراً صائباً بشأن التأجيل، "حتى لا يؤدّي التسرع بإقامة المؤتمر إلى عدم تحقيق الأهداف المرجوّة منه". ويضيف عبده إن "هناك فرصة جيدة للمستثمرين الأجانب خلال المؤتمر، ولا سيما في ظل دراسات الجدوى التي ستوفرها الحكومة المصرية عن المشاريع وفرص الاستثمار، بالإضافة إلى تحقيق معدلات أفضل للنمو الاقتصادي خلال الشهور المقبلة".
ومن الطريف أنّ المحامي المصري، سمير صبري، أقام دعوى قضائية أمام محكمة الأمور المستعجلة، يطالب فيها بالتحفظ على الوديعة القطرية، لحين الفصل في الدعوى القضائية المقامة ضد وزير الإعلام السابق (الإخواني)، صلاح عبد المقصود، والتي تتهمه بإهدار أموال التلفزيون الرسمي لصالح قناة "الجزيرة" بما قيمته 48 مليون جنيه، مطالباً بحسم المبلغ من قيمة الوديعة القطرية، وهي الدعوى التي أجلتها المحكمة لجلسة 29 تشرين الثاني الجاري.