القاهرة | من جديد أعادت دعوة «الجبهة السلفية» إلى «انتفاضة الشباب المسلم» في 28 من الشهر الحالي إلقاء الضوء على هوة كبيرة موجودة بين الأطراف السلفية في مصر.

ولم يتوقف السجال بين تلك الأطراف السلفية عند حدود المسارين الإعلامي والسياسي، فقط، بل ذهب أبعد من ذلك إثر وصف مساعد رئيس «حزب النور» (سلفي مقرّب من السلطة)، شعبان عبد العليم، الدعوة إلى الانتفاضة بأنها «كلام أونطة».

ووصلت الأمور إلى حد يمكن وصفه بتحريض من قبل «الدعوة السلفية السكندرية» لأجهزة الدولة على «الجبهة السلفية». وقد قُدِمت فعلاً بلاغات إلى المدعي العسكري ضد «الجبهة»، اتُهمت فيها بـ«التكفير... وقلب نظام الحكم».
وتنضوي «الجبهة السلفية» تحت لواء «التحالف الوطني لدعم الشرعية ورفض الانقلاب» الذي شكل الحاضنة السياسية لجماعة الإخوان المسلمين إثر عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي وبدء الحراك الرسمي المناهض للإخوان. وبحسب معلومات حصلت عليها «الأخبار»، فإن أهم الأهداف التكتيكية غير المعلنة لتدشين دعوة «انتفاضة الشباب المسلم» هي «جمع والتفاف الشباب من جديد حول التحالف الوطني لدعم الشرعية، بعد بدء انفضاضهم عنه، وامتصاص طاقة الشباب الغاضب برفع راية إسلامية خالصة بعدما سحب الصعود المتنامي لتنظيم الدولة الإسلامية كل طاقات الشباب وارتفعت أسهم الإعجاب به وسط شباب التيارات الإسلامية بشكل عام، وهو ما يسعى منظمو الدعوة لامتصاصه».
عموماً، يبدو مهماً التذكير بأن الواقع السلفي المصري منقسم على ذاته، وتتنافس على رفع لواء السلفية في مصر عدة أطراف أبرزها «السلفية الحركية» في القاهرة، وأهم شيوخها رفاعي سرور ومحمد عبدالمقصود، و «السلفية العلمية»، والممثل الرئيسي لها الدعوة السلفية في الإسكندرية، وأبرز شيوخها ياسر برهامي، و«السلفية المدخلية» وعلى رأسها سعيد رسلان، و«السلفية الجامية»، إضافة إلى «السلفية الجهادية».
وتتنازع هذه الأطراف خلافات في الأفكار والمنطلقات والتوجهات أكبر من أن يتم جسرها، وهو أمر نابع بالأساس من مشكلة كبرى تواجه السلفيين بشكل عام، مردها الرئيسي إلى أن العقل السلفي انقسامي بالأساس، بسبب ترسيخ المناهج لعدة معايير عقدية يستطيع أي شخص أن يطبقها على الآخرين، يلجأ بعدها إلى «تبديعهم»، أي وسمهم بالابتداع في الدين، إذا لم يحصل التطابق بينهم وبين معاييره.
في ثنايا التراشق حول «انتفاضة الشباب المسلم» يظهر بوضوح الصراع على التصدر لتمثيل التيار السلفي. يتبدى ذلك في خطاب شعبان عبدالعليم، حين قال إن «الجبهة السلفية تمثل قلة لا تُذكر من القطاع السلفي، ويبلغ عدد أعضائها العشرات، ويُعتبرون الوجه الآخر لجماعة الإخوان، ولا يمثلون القطاع السلفي، ويحاولون استغلال الشباب المتدين المتحمس».
ويعود الأمر إلى ما قبل خلع الرئيس الأسبق حسني مبارك، حين تمحورت الخلافات بين السلفيين حول فكرة «الخروج على الحاكم». وكانت مدرسة الدعوة السلفية السكندرية تؤثِر السلامة في هذا الجانب وترفض الخروج على الحاكم بدعوى «درء المفاسد»، بينما كانت السلفية الحركية، التي تمثلها عموماً «الجبهة السلفية» إضافة إلى الشباب المتحلق حول الداعية والمرشح الرئاسي السابق حازم صلاح أبو اسماعيل، تجهر بـ«تكفير الحاكم»، بحسب ما يشرح الصحافي المتخصص في شؤون الحركات الإسلامية، محمد إسماعيل.
وعاد الطرفان إلى الالتقاء مجدداً عقب تنحّي مبارك في إطار حالة الاستقطاب المدني ــ الديني الناشئة. تجلت تداعيات الاستقطاب خلال استفتاء آذار 2011، قبل أن يعود الفراق بينهما أثناء الانتخابات الرئاسية. أما المحطة المفصلية، فقد وصلها الطرفان بعد عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، حيث اصطفت المجموعات السلفية الحركية والثورية التي تنضوي «الجبهة السلفية» تحت لوائها إلى جوار جماعة الإخوان المسلمين فى ميدان رابعة العدوية، بينما شاركت «الدعوة السلفية» في إقرار «خريطة الطريق» التي أعلنها وزير الدفاع آنذاك، الرئيس الحالي، عبدالفتاح السيسي.
يفسر محمد إسماعيل أن الموقف من مشاركة «الجبهة السلفية» في اعتصامي رابعة العدوية والنهضة في ظل وجود «تيارات تكفيرية»، وما تبع ذلك من أحداث خلال فض الاعتصامين، أدى إلى «إعلاء نزعة الغلو الموجودة بالأساس لديهم وأوجد حالة من عدم الثقة حيال التيارات المدنية». ورأى أنه بالتوازي مع ذلك «حرصت الدعوة السلفية بعد 30 يونيو على التماهي مع خطوات السلطة الجديدة، راغبة في إعلان رسالة للمجتمع والسلطة بأن هناك خطوطاً فاصلة بينها وبين المجموعات السلفية المؤيدة للإخوان، وبالتالي أصابتها اليوم حالة من الرعب بمجرد الاعلان عن انتفاضة الشباب المسلم والإشارة إلى أن السلفيين هم الذين يتولون تنظيمها. وفي طريقها لإيجاد الخطوط الفاصلة قدمت بلاغات إلى الأمن، ورموزها كتبوا مقالات تهاجم الانتفاضة وأشياء أخرى».
من جهته، يلقي كمال حبيب، وهو الخبير في شؤون الحركات الإسلامية، اللائمة حول التراشق بين التيارين على «الجبهة» التي يرى أنها «تحرشت» بنظيرتها، معتبراً أن «الأطراف الصغيرة للتيارات الفكرية دائماً ما تكون عصبية ودائمة التحرش بالأطراف الأكبر والأقوى منها».