«جثة أبو عبد العزيز القطري في إحدى آبار جمال معروف». لا جديد في الحدث بحدّ ذاته. فمنذُ اختفاء القطري مطلع العام الحالي اتّهم بتصفيته طرفان: «جبهة ثوار سوريا» و«الدولة الإسلامية في العراق والشام». لكنّ اكتشاف جثة القتيل في هذا التوقيت ربما كان المسمار الأخير في نعش محاولات إيجاد تسوية بين «جبهة النصرة» و«جند الأقصى» من جهة، و«جبهة ثوار سوريا» من جهة أخرى. تنظيم «جند الأقصى» أصدر أمس بياناً اتهم فيه «ثوار سوريا» بقتل مؤسّسه وأميره السابق.


البيان أكّد أن جثة القطري وُجدت في قرية دير سنبل في جبل الزاوية في «مقبرة جماعية (...) في بئر جب كوكبة، البالغ عمقها 33 متراً، حيث كانت الجماعة المسمّاة جبهة ثوار سوريا ترمي فيها جثث من تختطفهم من المجاهدين، وقادة الدعوة والإصلاح...». وفيما اكتفى البيان بتوجيه الاتهام، أوضح مصدرٌ مقرّب من «جند الأقصى» لـ«الأخبار» أن «الإخوة المجاهدين اهتدوا إلى المقبرة بعد اعترافات حصلوا عليها من عدد من مسلّحي معروف. وهي اعترافات تؤكد أن عمليات الاغتيال كانت ممنهجةً، ولا يمكن قصر الاتهام على معروف وحده، بل يجب توسيعه ليطال معظم أفراد جماعته». المصدر استبعد أن يكتفي «جند الأقصى» بالمطالبة بـ«تسليم معروف إلى محكمة شرعية»، مرجّحاً أن يذهب التنظيم نحو اعتبار «كل أفراد ثوار سوريا متورطين في دم الشيخ ودماء غيره من المجاهدين»، ما يقود بالتالي إلى المطالبة بتصفية «ثوار سوريا»، الأمر الذي يُوافقُ كلام زعيم «جبهة النصرة» أبو محمد الجولاني، في الحوار الصوتي الذي بُثّ أخيراً. ولعلّ أبرز ما يستوجب التوقف عنده في مستجدات العثور على جثة القطري، هو ظهور أصوات «جهادية» تُطالب «حركة أحرار الشام بإصدار بيان بهذا الشأن وتقديم معروف للمحاكمة الشرعية»، مع استبعاد حصول ذلك، في تلميح إلى تواطؤ «أحرار الشام» مع «ثوار سوريا». اللافت في هذا السياق أن أصواتاً مماثلة كانت قد اتهمت «الحركة» بالضلوع في اغتيال القطري منذ شيوع الأنباء عن وقوعه، مطلع العام الحالي، عبر استدراج القطري إلى جبل االزاوية لتتكفّل «ثوار سوريا» بالباقي («الأخبار»، العدد 2219). وتجدر الإشارة إلى أن العلاقة بين «أحرار الشام» و«ثوار سوريا» كانت وطيدةً منذ ذلك الحين، خلافاً لما راج أخيراً في بعض وسائل الإعلام عن أن العلاقة بين الطرفين قد توطّدت بعد اغتيال قادة «الحركة». ويؤكد «قيادي» سابق في «لواء التوحيد» أنّ «تورّط أحرار الشام في قتل الشيخ القطري هو الاحتمال الأرجح». المصدر قال لـ«الأخبار» إن «تتبع مسيرة الحركة منذ تشكلها يؤكد أنها كانت على امتداد الوقت أداةً استخبارية، جرى استخدامها لتأجيج الصراع بين تنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة، الأمر الذي تكرر في الأحداث الأخيرة في ريف إدلب، رغم ادّعاء أحرار الشام أنها تلعب دور الوسيط». ويرى المصدر أن «أحرار الشام» ستكون «المستفيد الأكبر من الصراع في جبل الزاوية، حيث تسعى إلى تعزيز نفوذها هناك عبر ما تسمّيه قوات الفصل». المصدر أشار في هذا السياق إلى «توجه ﺭﺗل ﻛﺒير من أحرار ﺍﻟﺸﺎﻡ ﻓﻲ ﺭﻳف ﺣﻤﺎﺓ ﺇﻟﻰ ﺭﻳف إدلب الجنوبي ﻭﺭيف ﺣﻤﺎﺓ ﺍﻟﺸﻤﺎﻟﻲ، تحت مزاعم تولّي ﺍﻟﻔﺼل ﺑﻴن المجموعات ﻫﻨﺎﻙ»، معتبراً إيّاها «ذريعةً لتوسيع نفوذ أحرار الشام».

من هو أبو عبد العزيز القطري؟

محمد يوسف عثمان العثامنة، والمعروف بأسماء عدة، منها «أبو عبد العزيز القطري»، و«عبدالله عزام الشام». تعود أصوله إلى قرية عين غزال جنوب مدينة حيفا في فلسطين المحتلة. ولد في منطقة الفضل وسط بغداد سنة 1956. متزوج ولديه 4 أبناء وابنة واحدة، أحدهم «أبو تراب» (20 عاماً) الذي لقي مصرعه في سوريا في تشرين الأول 2012. قاتل «القطري» في صفوف «المجاهدين» في أفغانستان، وهناك تعرف إلى عبدالله عزام وأسامة بن لادن وأيمن الظواهري. كذلك شارك في معارك الشيشان، ثم عاد إلى بغداد أواخر تسعينيات القرن الماضي حيث اعتقل إثر ضلوعه في تفجيرات عدة. حُكم عليه بالسجن المؤبد، ثم أطلق سراحه إثر قرار عفو قبل غزو العراق. ساهم بعدها مع أبو مصعب الزرقاوي في تأسيس «كتائب التوحيد والجهاد»، فيما كان شقيقه عبد الحكيم أحد القادة العسكريين في «دولة العراق الإسلامية»، ولقي حتفه في اشتباك مسلح مع القوات الأميركية في نينوى.
تؤكد مصادر «جهادية» متطابقة أن أبو عبد العزيز القطري وابنه أبو تراب «دخلا سوريا في الثلث الأخير من عام 2011 برفقة بعض قادة الجهاد، ومنهم أبو محمد الجولاني»، حيث ساهم مع الأخير في تأسيس «جبهة النصرة». كذلك ساهم في «تدريب كوادر حركة أحرار الشام إبّان تأسيسها». انشق أبو عبد العزيز القطري عن «النصرة» في أيلول 2013، وأسّس «جند الأقصى في بلاد الشام». وقيل في أسباب الانشقاق إنه جاء بسبب الخلاف بين «النصرة» و«داعش»، وعدم رغبة أبو عبد العزيز القتال في صفوف أحدهما ضد الآخر. كانت نواة «جند الأقصى» حوالى 1000 مسلّح، معظمهم من «المهاجرين». وكان مقتل المؤسس مقدمة لعودة تنظيمه عن «استقلاليته»، حيث أُعلن بعد اختفائه بفترة وجيزة عن إنشاء «تحالف المهاجرين والأنصار» الذي يضم إضافة إلى «جند الأقصى» كلّاً من «لواء الأمة»، و«لواء الحق في إدلب»، و«لواء عمر». وهو التحالف الذي «ذاب» لاحقاً، وعادت تسمية «جند الأقصى» إلى الواجهة بوصفه حليفاً أساسياً لـ«النصرة».

مقتل «قائدين بارزين» في إدلب

شهدت محافظة إدلب أمس مقتل قائد ميداني بارز في «جبهة النصرة»، وآخر في «لواء فرسان الحق»، في حادثتين منفصلتين. وأفادت مصادر متطابقة عن مقتل أبو طلحة الديري، أحد مهندسي التفخيخ في «النصرة»، في غارة جوية شنّتها الطائرات السورية، فيما قُتل جهاد زعتور، القائد الميداني في «لواء فرسان الحق»، إثر انفجار عبوة ناسفة بسيارته في كفرنبل.