القاهرة | بالرغم من رطانة الوفد المصري في الدفاع عن احترام حكومة إبراهيم محلب للديموقراطية خلال اجتماعات مجلس حقوق الإنسان في جنيف، الأسبوع الماضي، إلا أن سياسة العقاب الجماعي والتهميش الاجتماعي والاعتقال التعسفي، لا تزال سيدة الموقف، ولعلّ ما يجرى في قرية الميمون شمالي محافظة بني سويف المصرية من انتهاكات واسعة أبلغ دليل على ذلك.


القرية التي تضم نحو 26 ألف نسمة، وتبعد عن القاهرة نحو مئة كلم، استيقظت يوم الأحد الماضي، على حصار قوات الأمن لجميع مداخلها، قبل أن تقوم باقتحامها وتنتشر بطريقة غير مسبوقة فى جميع شوارعها. وتم إغلاق المدارس والمصالح الحكومية وإطلاق قنابل الغاز والرصاص الحي باتجاه المواطنين. وسرعان ما تطور الأمر، بعد مقاومة من شباب القرية، إلى مقتل الشاب عبد الله راضي سليمان (23 عاماً) وإصابة سبعة، في تطور أعقبه قيام الشباب بقطع طريق بني سويف ـ القاهرة الزراعي وإلقاء الألعاب النارية على نقطة مرور الواسطي.
تؤكد المصادر الرسمية أن الشاب قتل في تبادل لإطلاق النيران أثناء سعي قوات الأمن للقبض على عدد من كوادر جماعة الإخوان المسلمين المطلوبين. لكن من جهته، يحمّل «التحالف الوطني لدعم الشرعية»، المؤيد للرئيس المعزول محمد مرسي، قوات الأمن المسؤولية الكاملة عن اقتحام قرية الميمون. وذكر «التحالف»، في بيان له، أن إراقة الدم المصري وتصعيد القمع في كل مكان، سواء في القرى أو الجامعات أو الميادين أو غيرها، يشعل الغضب الشعبي، مؤكداً أن «صمود المصريين ومقاومتهم الظلم في تصاعد».
ويقول أحمد سعيد، أحد أعضاء جماعة الإخوان في بني سويف، إن هناك حالة غضب كبيرة لدى الأهالي، وإن الشباب يرغبون في الانتقام من قتلة ذويهم، لكن ما زالت هناك حالة من ضبط النفس، محذراً في الوقت ذاته من خروج الأمور عن نصابها الطبيعي. ويستطرد قائلاً «قد لا نستطيع التحكم بردود فعل الشباب، ونتمنى ضبط النفس من جميع الأطراف».
ويضيف سعيد إن الرد سيكون سلمياً من خلال التظاهرات الرافضة للقمع والظلم والوضع السياسي القائم برمته، مشيراً إلى أن هناك فعاليات كبيرة ستنظم في بني سويف خلال ساعات ردا على تلك الانتهاكات.
يُذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي تقتحم فيها قوات الأمن قرية الميمون، حيث هاجمت القرية سابقاً وحاولت اعتقال عدد من أعضاء «التحالف الوطني لدعم الشرعية»، لكنها فشلت بعد تصدي شباب القرية لها. وتشتهر القرية بأنها «كرداسة بني سويف»؛ وكرداسة هي قرية كبيرة في الجيزة تعد معقلاً للفصائل الإسلامية.
وبالرغم من الضغوط الأمنية، تتواصل في بني سويف التظاهرات المناهضة لسياسات «تكميم الأفواه». ويشير حسام، أحد شباب «حزب مصر القوية»، إلى أن قرية ناهيا في محافظة الجيزة، مثلاً، تعد مسرحاً لتظاهرات يومية داعمة لـ«تحالف دعم الشرعية»، وذلك بعد نجاح المعارضين في دفع العائلات الكبيرة الى احتضان تظاهراتهم، فضلاً عن اعتماد الشباب على التظاهرات الخاطفة والمفاجئة، والتي يطلقون عليها اسم «الفلاش».
في غضون ذلك، يلفت حسام إلى مسألة تنامي الرغبة لدى الشباب الإسلامي في اللجوء إلى العنف، في ظل انسداد أفق التغيير، وانتشار القمع وغياب المحاسبة حيال الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، فضلا عن «شيطنة الثوار»، وهو الأمر الذي وصل قبل يومين إلى درجة قيام قوات الأمن بالقبض على شاب جامعي بتهمة حيازة رواية جورج أوريل الشهيرة «1984».
غير أن الأمر لم يقف عند مجرد التفكير في خيار العنف، بل تخطاه إلى تهديد نحو ثلاثة آلاف شباب بالانسحاب من عضوية «التحالف الوطني لدعم الشرعية»، إذا لم تستجب قياداته إلى مطالب تغيير استراتيجيته الخاصة بـ"السلمية الكاملة" التي يتبعها في مواجهة السلطة الحالية، قائلين إن «السلمية لن تفيد في كسر الانقلاب».

يعتمد الشباب على التظاهرات الخاطفة والمفاجئة الموصوفة بـ«الفلاش»

يُذكر أنه عقب عزل الرئيس محمد مرسي في تموز 2013، اعتمد «تحالف دعم الشرعية» في بعض سياساته على «لامركزية العمل»، واعتبر أنه لا إمكانية للسيطرة على حركة الشباب. وفي حينه، بدأت تتكون مجموعات شبابية بصورة لامركزية، غير منتظمة وغير موجهة من قبل الجماعة.
وكان أشرف عبد الغفار، القيادي في جماعة الإخوان المسلمين، قد دعا أخيراً «الثوار إلى استخدام كل الوسائل المشروعة للدفاع عن النفس»، فيما دعا محمد عوض، عضو حركة «قضاة من أجل مصر»، إلى «تغيير نهج المعارضة الحالي»، مبرراً ذلك بأن «السلمية لن تسقط الانقلاب ولو بعد مئة عام ولن يرحل (منفذو الانقلاب) إلا بالدفاع الشرعي والجهاد الحقيقي وبكل الوسائل الممكنة».
في المقابل، يقول إمام يوسف، القيادي في «التحالف»، «أعلم أن الشباب معترض على السلمية التي يتبعها التحالف»، مستدركاً بالقول «لكن لا يجوز التخلي عنها». وبشأن تداعيات هذا الأمر على «التحالف»، قال إمام «أهلاً بمن يغرد بعيداً عن السرب، ومرحباً بمن ينضم إلينا».
ويحذر بهي الدين حسن، مدير «مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان»، النظام الحاكم من «استلهام نموذج نظام صدام حسين في مصر»، مشيراً إلى أن هذا «الاستلهام يمكن أن يؤدي إلى النتائج الكارثية نفسها التي أدت إلى تفكيك العراق وازدهار أنشطة الإرهاب».