دمشق | أمام واجهة مكتب يتبع لشركة صرافة محلية، وقف أحد الأشخاص يسأل موظف الاستقبال إن كانوا فعلاً يبيعون قطعا أجنبيا لعموم المواطنين، فكان الجواب أنه بإمكان أي مواطن شراء دولار بالسعر الرسمي، وما عليه سوى إبراز بطاقته الشخصية فقط. «أي مواطن»، أعاد الموظف تكرارها بعدما بدت علامات الدهشة على وجه الرجل.


لكن يبدو أن هذا الإجراء، وغيره من إجراءات التدخل التي جرى تطبيقها منذ بداية الأزمة تحت مسميات مختلفة، لم تعد بنظر المصرف المركزي كافية لمواجهة موجة الانخفاض الجديدة التي تعرضت لها الليرة السورية قبل أيام قليلة من استهداف طائرات تحالف واشنطن لمواقع مفترضة لتنظيم «داعش» داخل الأراضي السورية، إذ أعلن المصرف المركزي في منتصف شهر أيلول الماضي إجراءات وأساليب جديدة وصفها بـ«غير التقليدية» لضبط سعر الصرف، الذي كان قد تجاوز آنذاك عتبة الـ 200 ليرة للدولار الواحد.
ومع أنّ الليرة حققت بعض المكاسب في مواجهة الدولار الأميركي خلال شهرين من بدء المصرف المركزي توسيع مساحة تدخله في سوق القطع، إلا أنّ ذلك لم يرقَ لمستوى طموحات السوريين الراغبين بإعادة سعر الصرف إلى عتبة الـ 150 ليرة للدولار الواحد كما كان سائداً. الأمر الذي طرح تساؤلات عن ماهية الإجراءات «غير التقليدية» التي أعلن تنفيذها المصرف المركزي، وحقيقة العوامل والأسباب المؤثرة في تقلبات سعر الصرف وتذبذباته منذ بداية الأزمة، وحجم المسؤولية التي يتحملها المصرف المركزي في ذلك.

تقلبات وقفزات

عمد «مصرف سورية المركزي» منذ بداية الأزمة إلى تنفيذ سياسة تقوم على ثلاث ركائز أساسية هي: الإعلان عن تمويل مستوردات البلاد من المواد والسلع الرئيسية بالسعر الرسمي كالمواد الغذائية والمشتقات النفطية وغيرها، وطرح كميات من القطع الأجنبي وبيعها عبر أشكال مختلفة لشركات ومكاتب الصرافة لتلبية احتياجات المواطنين للأغراض غير التجارية، وملاحقة تجار السوق السوداء ومكاتب التحويل غير المرخصة.
إنما هذه السياسة، وفضلاً عن كونها لم تحل دون حدوث تقلبات وقفزات خطيرة في سعر الصرف خلال الأعوام الثلاثة السابقة، فقد شابها كثير من الغموض والشكوك سواء في القرارات المتناقضة التي صدرت بداية الأزمة، أو في طريقة التدخل بسوق القطع المحلية ونتائجها، أو حتى في الاتكال على الإجراءات القسرية لضبط سعر الصرف. وتأكيداً على ما سبق يشير، الخبير الاقتصادي، الدكتور الياس نجمة إلى أن «المصرف المركزي قام خلال السنتين الأخيرتين بمجموعة إجراءات وتدخلات في سوق الصرف، إلا أن سياسات التدخل التي مارسها كانت عشوائية واستعراضية، فتارة يلجأ للمزادات، وتارة لبيع القطع إلى سماسرة وشركات صرافة، ثبت أخيراً مدى حجم وخطورة التجاوزات والألاعيب التي مارسها بعضهم في سوق الصرف». وأضاف في حديثه لـ«الأخبار» أنّ «الجميع يعلم، والتجربة التاريخية برهنت أن الإجراءات القسرية في أمور تخضع لقوانين السوق هي بالأساس ذات طبيعة مؤقتة، كما أنها ذات كلفة اجتماعية اقتصادية وسياسية ونقدية باهظة جداً، وأكثر من ذلك لا ندري الآن إلى أين نتجه».
ولذلك فإن تحسّن سعر صرف الليرة واستقراره في بعض الفترات، وتراجعه في فترات أخرى، تطورات ليس للمصرف المركزي الدور الأبرز بحصولها، إذ وفق ما يقوله عميد كلية العلوم الإدارية في جامعة دمشق، عابد فضلية، فإن «هناك عوامل أخرى مساعدة، فالعملة الوطنية في الأزمات، ولا سيما الأمنية منها، التي تتداخل فيها عوامل إقليمية ودولية وسلوكيات مفتعلة، تقع تحت تأثير عشرات العوامل التي تتفاعل مع بعضها بعضا لتنتج في النهاية سعر صرف معينا، وغالباً ما يكون سعر صرف السوق السوداء هو الحقيقي، الذي يستطيع أي فرد أن يشتري أو يبيع به، لا بل إن المصرف المركزي يحاول أن يكون سعره قريبا من سعر السوق السوداء برغم إنكاره ذلك». وليس أدل على تأثير تلك العوامل من التغيرات التي طرأت على سعر صرف الليرة في العام الماضي، انخفاضاً عندما أعلنت الولايات المتحدة الأميركية عزمها على توجيه ضربة عسكرية لسورية، واستقراراً مع إعلان التوصل إلى اتفاق دولي لحل ملف السلاح الكيمائي السوري، إضافة إلى تحرك سعر الصرف الرسمي ليكون قريباً من سعر السوق السوداء.

السرية والموثوقية

في ضوء هذا الواقع، هل يمكن لطرق التدخل «غير التقليدية» أن تنجح حيث فشلت الطرق التقليدية الأخرى؟!
يرى الدكتور فضلية أنّ مصطلح «الأساليب غير التقليدية» الذي استخدمه المصرف المركزي أخيراً هو مصطلح غامض وغير واضح للمتلقي، و«على اعتبار أنه من حق المركزي عدم الإعلان عن تفاصيل تدخله بالسوق، فإن هذا الغموض قد يكون مقصوداً من قبل المركزي بغية عدم الكشف عن الأساليب التي سيتبعها لضبط سعر الصرف، أو قد لا توجد لديه أساليب من الأساس، ومن ناحية ثالثة فربما يكون ذلك عبارة عن تكتيك يتبعه المصرف».


الليرة حققت بعض المكاسب خلال شهرين من تدخّل «المركزي» في سوق القطع

أما الدكتور نجمة، فيفضّل أن يحدد بعبارات مختصرة وواضحة كيف يمكن لتدخل المصرف المركزي أن يكون فعالاً ومؤثراً، فيقول: «تدخل المصرف المركزي يجب يكون سرّياً تماماً، وعبر مؤسسات مصرفية موثوق بها، وتقف خلفه إدارة نقدية ذات صدقية وموثوقية وملاءة معنوية حتى يكون فعالاً، ويرمي أولاً وأخيراً. للوصول إلى سعر صرف واقعي من الناحية الاقتصادية، ومقنع ومستقر ومن الممكن الدفاع عنه من الناحية النقدية، والثبات عنده في حال وقوع أيّ تداعيات ظرفية أو طارئة مهما كانت طبيعتها».
على الطرف الآخر، يبدو المصرف المركزي وعلى لسان حاكمه أديب ميالة أخيراً، مطمئناً إلى قدرة إجراءاته على التأثير في سعر الصرف، فالمصرف على حد قول ميالة «مستمر في التدخل المباشر عن طريق تمويل كل احتياجات القطاع الخاص من القطع الأجنبي لأغراض تمويل المستوردات عن طريق المصارف المرخصة، وبأسعار صرف تمييزية، أو غير المباشر باستخدام الطرق والاساليب غير التقليدية، التي اعتمدها مجلس النقد والتسليف لمواكبة التطورات المتسارعة التي شهدها سوق القطع أخيراً بهدف إيقاف عمليات المضاربة على الليرة».
ومهما كانت أساليب التدخل وتسمياتها وأشكالها، فإن الهاجس العام يبقى متمحوراً حول ثلاث نقاط جوهرية هي:
ــ قدرة هذا التدخل على تحسين سعر صرف الليرة على نحو فعلي، وبما ينعكس ايجاباً على الوضع الاقتصادي العام، والوضع المعيشي للسوريين.
ــ حجم كميات القطع الأجنبي التي يجري ضخها في الأسواق، وتأثير ذلك في ما تبقى من احتياطي البلاد من القطع الأجنبي، الذي تتباين التقديرات حول حجمه اليوم بعد 42 شهراً من الحرب والحصار الاقتصادي.
ــ الشرائح والشخصيات المستفيدة من كميات القطع المطروحة في الأسواق، ولا سيما أن المعلومات أكدت سابقاً أن هناك من كان يشتري قطعا أجنبيا من «المركزي» للمتاجرة به في السوق السوداء، أو لتهريبه لخارج البلاد.