ريف دمشق | تضاءل وجود الإعلام المعارض المدني، أو «المستقل»، في الغوطة الشرقية، وريف دمشق عموماً، حتى بات شبه معدوم في الآونة الأخيرة. فمع تراجع المعارضة المسلّحة في العديد من المناطق في الغوطة الشرقية، لم تعد هذه الأخيرة قِبلة الناشطين والإعلاميين الداعمين للمعارضة، العرب والأجانب، مثلما كانت قبل نحو عام وبضعة أشهر عندما اجتذبت «قضية الكيماوي» يومها عيون العالم بأسره.


وبدلاً من النشاط الإعلامي المكثّف الذي ساد خلال تلك الفترة، حلّ محله اليوم إعلام التنظيمات المعارضة الحربي، الذي يقتصر عادة على بيانات عسكرية مقتضبة، مصحوبة بتعليقات قصيرة في صفحات التواصل الاجتماعي، إضافة إلى عدد قليل من مراسلي الفضائيات المعارضة، كقناة «أورينت». مصدر من داخل الغوطة الشرقية يصف لـ«الأخبار» النشاط الإعلامي فيها بـ«الإسلامي الدعوي بامتياز؛ فبعدما غاب صائغو الأخبار والتقارير هناك، بات رؤساء المكاتب الإعلامية للتنظيمات المسلّحة المعارضة، وهم بمعظمهم رجال دين، يدبّجون البيانات والأخبار والنشرات بصبغة إسلامية». وتصدر في الغوطة الشرقية صحيفة «سراج» الأسبوعية، التي تعرف عن نفسها بـ «إخبارية - دعوية - اجتماعية، وتتبع لزعيم «جيش الإسلام» زهران العلوش، وتغلب عليها لغة الوعظ الإسلامي لمسائل مثل: التقاعس عن الجهاد، وآداب الإسلام... الخ. وبالمحصلة، فإن معظم إعلاميي «الثورة» وناشطيها المدنيين قد هجروا «المناطق المحرّرة» في ريف دمشق إلى خارج البلاد، أو إلى جبهات ملتهبة أخرى في مناطق حدودية، كريف إدلب: «وجهتهم الرئيسية إلى تركيا، وهاجسهم الأول هو تغطية حرب التحالف على داعش في المناطق الشمالية والشرقية من سوريا». ويروي مصدر آخر على اتصال بأوساط إعلامية غادرت الغوطة الشرقية أخيراً لـ«الأخبار»: «العديد من إعلاميي المعارضة في ريف دمشق تبنّوا توجه معارضة الخارج والحكومة التركية المتمثّل بالمساواة بين النظام وداعش كعدوين تجب محاربتهما، ثم استجابوا لاحقاً لدعوات منظمات إعلامية وغير حكومية (NGOs) تعمل في تركيا بالسفر إليها والعمل معها هناك لتغطية الحرب التي يخوضها التحالف الدولي ضد داعش». ولاحقاً، لم يقتصر الأمر على هذا الحد، يقول مصدر إعلامي معارض لـ «الأخبار»: «المنظمات التي وظّفت هؤلاء الإعلاميين قد طلبت منهم الاتصال ببعض المسلّحين السوريين الذين فرّوا من المناطق التي سيطر عليها داعش لإعادة تنظيمهم في مواجهته مرّة أخرى»، وذلك في محاولة لمواكبة «الدعوات التركية الرامية إلى إسناد مهمة مكافحة الإرهاب إلى المعارضة المسلّحة». ويعدّد المصدر حالتين موثقتين حتى الآن: «الأولى هي اتصال بعض إعلاميين منضوين في إطار الائتلاف السوري المعارض مع مسلّحين فرّوا من المنطقة الشرقية إلى تركيا، نتيجة لتمدّد داعش، لتجميعهم للقتال مجدّداً تحت لواء جبهة النصرة في درعا، ضد الجيش السوري، حيث يجرى تأمين إرسال هؤلاء المسلّحين عبر الأراضي الأردنية إلى المحافظة الجنوبية». الحالة الثانية: «فتح أقنية الاتصال مع أوساط جبهة الأصالة والتنمية والنصرة والجبهة الإسلامية في ريف دير الزور لتعبئتها ودعمها في موجهة داعش». ويؤكّد المصدر أن «ناشطي الغوطة الشرقية وإعلامييها على معرفة جيدة بالعديد من زعامات التنظيمات المعارضة المسلّحة المقرّبة من «الجبهة الإسلامية» التي يُكنّ عناصرها في ريف دمشق الكثير من العداء لداعش». ومن الممكن العمل على لملمة القوى التي بعثرها انتشار «داعش» في العديد من المناطق السورية، وزجّها في مواجهته مجدّداً، بالإضافة إلى «التحضير لنقل مركز ثقل المواجهات العسكرية من الغوطة الشرقية، التي تتهاوى فيها قلاع المعارضة المسلّحة واحدة تلو الأخرى، إلى المحافظات الجنوبية، درعا والقنيطرة، حيث يجرى تكثيف العمل المسلّح المعارض ضد الجيش السوري».