القاهرة | مصر تحبس أنفاسها قبل انطلاق شرارة ما يوصف بـ«الثورة الإسلامية»، اليوم. قوات فائقة من الجيش والشرطة تتمركز في الميادين وحول المنشآت الحيوية، وجماهير مذعورة تلتف حول التلفاز، تتعرض لوابل من قصف إعلامي غير مسبوق، يختلق أساطير حول مذابح تجهز.


كل ذلك يأتي بينما تستعد البلاد لجلسة النطق بالحكم على الرئيس المخلوع، محمد حسني مبارك، والمقرر انعقادها يوم غد.
و«الثورة»، بحسب مطلقيها من ناشطي «الجبهة السلفية»، لها مطالب عدة، أبرزها فرض الهوية الإسلامية دون تمويه، إلى جانب رفض الهيمنة الخارجية وإسقاط حكم العسكر. وتبدأ مع صلاة الفجر اليوم الجمعة، كما يقول بيان للجبهة، من دون أن تصاحبها مسيرات أو تجمعات أمام المساجد، بل احتشاد للصلاة «استعداداً للشهادة بعد صلاة الجمعة من كل مساجد مصر».
وتابع البيان أن «هناك إدارة سيكون مهمتها رسم خطوات التحركات في الميادين ومراحل التحرك»، ورأت أنه يوم 28 تشرين لا يمثل «يوم الحسم، فهو طليعة موجة ثورية جديدة ستستمر حتى ذكرى 25 يناير».

كعادتهم لم يعلن
«الإخوان» موقفاً صريحاً واكتفوا بـ«تثمين» التظاهرات

اللافت أن «الجبهة السلفية»، وهي جزء من «التحالف الوطني لدعم الشرعية ورفض الانقلاب»، الذي يضم «الإخوان» وفصائل إسلامية أخرى، وتصدر بيانات يومية، كانت تنادي بوحدة الصف مع كل «القوى الثورية» كخطوة أولى لاستعادة الديموقراطية، لكنها اليوم تصرفت وحيدة. وتتبع «الجبهة السلفية» لرموز إسلامية وسلفية مستقلة عدة، من بينهم الشيخ الراحل رفاعي سرور، والشيخ السجين حازم أبو اسماعيل، كما تضم عدة تكتلات دعوية، وتهدف إلى «رفع راية الشريعة الإسلامية» والعمل على تحقيق حاكميتها.
وكان «تحالف دعم الشرعية» قد تشكل بعد عزل الرئيس محمد مرسي في تموز 2013، لكنه تلقى أخيراً ضربة موجعة إثر صدور قرار من رئيس مجلس الوزراء، إبراهيم محلب، بحظره، ليُستبعد من خوض الانتخابات البرلمانية المقبلة.
وعلى مدار الأيام الماضية، شنت الشرطة حملات اعتقال ومداهمات واسعة النطاق، ووقف الاعلام المقروء والمسموع والمرئي على أطراف أصابعه، ليثير قدراً كبيراً من الذعر والتخويف وسط المواطنين، خالقاً عدواً جباراً يتأهب «لأكل الأخضر واليابس».
هذه هي حال أرض الكنانة قبيل ساعات قليلة من الدعوة التي أطلقتها «الجبهة السلفية» للتظاهر ورفع المصاحف. لكن، كعادتها، لم تعلن جماعة الإخوان المسلمين موقفاً صريحاً، إذ اكتفى بيان لها بـ«تثمين» التظاهرت المدافعة عن «الهوية الإسلامية في مواجهة خصوم الإسلام». غير أن الدكتور رفيق حبيب، نائب رئيس «حزب الحرية والعدالة» (المنحل)، وهو الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، وصف التظاهرات، التي دعت إليها «الجبهة السلفية» تحت عنوان «انتفاضة الشباب المسلم»، بـ«الحراك الثوري العظيم»، الذي يقضي على «علمانية العسكر». وقال إن «الحراك أصبح ثورة الإسلام السياسي، أي ثورة الحركة السياسية الإسلامية بتعبير أدق، وهو ما يعني أن الحراك الثوري هو ثورة المشروع الإسلامي ضد السلطة العلمانية العسكرية».
وعلى الرغم من أن «التحالف الوطني لدعم الشرعية» لم يتبنّ تظاهرات اليوم، وأعلنت «الجبهة السلفية» أنها تتحرك بمبادرة فردية، الا ان نتائج التظاهرات لا بد أن تطال الجميع. ولعل ذلك ما جعل كثيرين يقفزون من مركب «الثورة الاسلامية» بعدما أدركوا أن الرهان خاسر على ثورة لم ينضج أوانها بعد، وأن «الجبهة السلفية» والإخوان المسلمين يواصلون عملية الانتحار السياسي، برفع شعارات طائفية بامتياز. ومن جهتها، رفضت «الدعوة السلفية»، وهي جماعة دعوية، المشاركة في «انتفاضة الشباب المسلم»، اتساقاً مع رؤية ذراعها السياسية «حزب النور» (المتحالف مع النظام).
وفي ظل الموقف الغامض لجماعة الإخوان المسلمين، يبدو أن «الجبهة السلفية» ستجد نفسها وحيدة في الميادين، وذلك في ظل تخلي الأحزاب المحسوبة على التيار الإسلامي عن دعمها في هذه الخطوة، والتي ترى أن الحل السياسي وتسوية الخلافات هما السبيل الوحيد وليس الثورة. وترافق ذلك مع تزايد الدعوات التي تطالب «الجبهة السلفية» بتأجيل انتفاضتها أو إلغائها، نظراً إلى ما تمر به البلاد من أزمات سياسية. وتعد هذه هي المرة الأولى التي تجري فيها الدعوة إلى «ثورة إسلامية» صراحة في مصر، منذ عزل الرئيس محمد مرسي في 3 تموز 2013.
ويبدو التخبط وعدم القدرة على التقدير الصحيح للحظة السياسية باديين للعيان. وفي هذا السياق، قال سامح راشد، وهو الخبير السياسي في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية في «الأهرام»، إن «الفصيل الإسلامي تسوده الكثير من الاختلافات وشق الصف»، مؤكداً أن «لحظات استثنائية هي التي يجتمع عليها الإسلاميون، كما في الانتخابات أو الاستفتاءات».
وتحدث راشد، في تصريحات صحافية، عن «وجود حالة من الإحباط تعاني منها الجبهة، لأن رد الفعل جراء دعوتهم لم تلق القبول المنتظر»، لافتاً إلى أن «الجبهة استبقت محدودية نتائج هذا اليوم بإعلانها أنه مجرد موجة ثورية، حتى لا يبدو أنهم فشلوا فشلاً ذريعاً».
وعلى الرغم من أن منظمي التظاهرات سعوا إلى اختطاف حالة الغضب المتصاعدة ضد إدارة الرئيس عبدالفتاح السيسي لمصر، لجرّ البلاد إلى معركة هوية، غير أن هذه الأجواء لن يستفيد منها إلا الحاكم الذي يسوّق نفسه بوصفه عدواً للتطرف وحامياً للسماحة والوسطية. وبالفعل، انتهزت حكومة إبراهيم محلب الفرصة جيداً، وجرى تضخيم لافت لحدث التظاهر المرتقب. وأقرّ مجلس الوزراء، في جلسته الأسبوعية أول من أمس، مشروع قانون «إدراج الكيانات الإرهابية»، وهو القانون الذي يستهدف، بحسب مراقبين، خنق «الإخوان» والقوى الإسلامية المعارضة.