لم يتوقف نزف الطاقات والكفاءات السورية منذ بدء الحرب قبل قرابة أربع سنوات. وشهد الشهر الماضي خسارة مؤسّسة البحوث العلمية العسكرية خمسة خبراء في مجال الطاقة النووية، إثر إطلاق النار على حافلة نقل كانوا بداخلها، في منطقة التل (شمالي دمشق) التي تعج أطرافها بمسلّحي المعارضة. وقبل ذلك استشهد عدد كبير من العلماء والخبراء السوريين في المجالات العسكرية والعلمية والطبية.


في حديث إلى «الأخبار»، يقول الباحث نجاح حسون إن «حصة مجالات البحوث العسكرية من شهداء الاغتيالات كانت الأكبر، وخصوصاً في مجالات الدفاع الجوي وتطوير الصواريخ». ويعدّ الدكتور اللواء نبيل زغيب في هندسة المحركات الصاروخية، العقل المدبر للمشروع الصاروخي السوري، من أبرز الشخصيات التي طاولتها الاغتيالات، إضافة إلى المخترع الأصغر في العالم، عيسى عبود، والمهندس النووي أوس عبد الكريم خليل، وكذلك شخصيات أخرى علمية وفنية ودينية. معظم الاغتيالات «ينفّذها مسلّحون مجهولون في مناطق آمنة وسط مدن سورية كبيرة كدمشق وحلب وحمص، وغالباً ما يُنفذ الاغتيال بواسطة إطلاق نار من أسلحة فردية، الأمر الذي يشير إلى أن تلك الاغتيالات جرت بسهولة، مستفيدةً من الثغر الأمنية التقليدية التي لا بد من وجودها حتّى في مناطق آمنة» يضيف الباحث، ويستدرك: «ولكن هل ينبغي أن يكون الأمر كذلك مع تلك الكفاءات الكبيرة؟ من الضروري أن يكون أمن هؤلاء أولوية ضمن حالة الحرب التي تعيشها البلاد».
يقول أحد المهندسين العسكريين إن «مسألة الاغتيالات هي معركة بحد ذاتها. العدو الصهيوني هو المستفيد الأبرز في هذا الإطار، ولا يحتاج الأمر الى براهين وتحقيقات لمعرفة أن عشرات الاغتيالات في سوريا والعراق وإيران جرت على أيدي استخباراته وأدواتها». يعتبر اغتيال كل عالم أو خبير في المجالات العسكرية الحسّاسة خسارة للقطاع الذي يتخصّص به؛ ذلك أن المعلومات العسكرية، تحديداً، ليست متاحة لجميع التقنيين أو الدارسين «فلا يستطيع مهندس الاتصالات المدني، مثلاً، تشغيل رادارات الدفاع الجوي السوري، بالرغم من أنه يدرس المبدأ الراداري في الجامعة، في حين يستطيع مهندس الاتصالات العسكري القيام بذلك لأنه تلقى تدريباً عسكرياً مباشراً عليه».
وتثير أنباء اغتيال الكفاءات استياءً واسعاً بين السوريين. ويقول رائد، طالب جامعي، إن «مثل هذه الأنباء تشبه نبأ سقوط مدينة سورية بأيدي الإرهابيين، فالنتيجة واحدة وهي أن البلاد تخسر». ومثلما تسبّب الإهمال الحكومي والإداري، إضافة إلى الفساد والاختراقات، بخسارة بلدات ومعامل وحقول نفط ومواقع أثرية... الخ، فإنه يتسبب أيضاً بخسارة الكفاءات العملية، ومشغّلي الأسلحة الاستراتيجية.
على مقلب آخر، يضيف رائد قائلاً: «لا يخجل المسؤولون من النواح على الكفاءات بعد مقتلهم، وهم في حافلات النقل العام أو في الشارع أو في بيوتهم من دون أي حماية أمنية، في حين تتوفّر هذه الأخيرة لأبنائهم لدى ذهابهم إلى الأندية والمجمّعات التجارية في سيارات تابعة للدولة». وتروي سيدة دمشقية لـ«الأخبار»: «مسؤول أمني صغير في حيّنا لديه ابن بسن المراهقة، يتجوّل يومياً برفقة عناصر حماية أبيه في الحي ليلحق الأذى بأقرانه، وفي امتحانات الشهادة الإعدادية أدخل عناصر الحماية معه ليقوموا بتلقينه الأجوبة في الامتحان، وبالمقابل لا يلقى الرجال المهمّون سوى المرثيات لدى استشهادهم».
ويرى المتابعون أن عدم التناسب في توزع الحمايات الأمنية، حسب الأولويات، يعكس ترهلاً أمنياً غير مسبوق في عمل الأجهزة المسؤولة. يقول أحد المواطنين: «بالرغم من كثافة عناصر الأمن في كل مفاصل الحياة العامة تقريباً، وبرغم الرهبة التي ترافق صورتهم لدى الناس، إلا أن الأمن بالمعنى الوظيفي للكلمة يعاني تراجعاً كبيراً، إذ تغلب عليه المحسوبيات والاعتبارات الثانوية على حساب حماية مقدّرات البلاد بنحو صحيح».