غزة | أضعف الشوق هو زيارة المحبوب، وهذا ما تفعله أمهات الشهداء حينما يذهبن لزيارة ابنائهن. تأتي ليلة الجمعة، فتحزم أم سالم أمرها لزيارة الحبيب في الصباح الباكر. أيّ حبيب؟ ومن يكون غير فلذة كبدها ولدها الشهيد، ستذهب لزيارة قبره كعادتها كل صباح جمعة. يسمع أحفادها بنيتها تلك، "فيتنطنطون" حولها كفقاقيع فشار، تُقنعهم جدتهم متأفّفة: "هالطلعات للكبار يا أولاد، شو اللي خلًاني أحكي قدامكم؟"، فيردون عليها بنطنطات أخرى تُلّح إلحاحًا عجيًبا لمرافقتها.. وتنجح محاولاتهم!

يُشقشق الفجر فيُوقظونها، وبأيديهم الصغيرة يجلبون ملابسها من الخزانة، ضجَتهم المبهجة توحي للمرء كأنّهم ذاهبون في نزهة لا إلى مقبرة!
الشارع، ساعة الفجر تلك، يصبح مسرحا لشوق أم سالم وأمهات كثيرات مثلها. يسرن جماعات واولادهن صبيحة أيّام الاثنين والخميس والجمعة، لكنّ صبيحة الجمعة هي التوقيت الأقرب إلى قلب أم سالم، لا سرّ في الأمر سوى أنّها تستبشر خيرًا بصبيحتها المباركة. أخريات مثلها، يبدأن الطريق بسرد أقاصيص ذويهن، واحدة تلو أخرى، وسريعًا ما يكتشفن أن قصصهن متشابهة، لكنّ هذا لا يمنع كل واحدة منهن من التباهي باستثنائية حبها وحنينها إلى ولدها.

إذن، وبعد كل هذه المشاعر، هل هناك ما يُناظرها فعلًا من عناية واهتمام بقبور الشهداء؟ والسؤال في محلّه بحسب منذر الغماري مدير دائرة الأملاك في وزارة الأوقاف، فالعمل على أشدّه لناحية اهتمام وزارته بإنشاء أكبر قدر ممكن من القبور داخل المدافن الأربعة الموزّعة في محافظات قطاع غزّة، مشيرًا إلى مئة قبر ستُنشأ الأسبوع المقبل، حيث تؤدي خصوصية أوضاع غزة دورًا مهمًا في الاهتمام بتأمين المزيد من المساحات من اجل القبور، الخصوصية ذاتها دفعت الوزارة إلى تخصيص مقبرة طوارئ في الشجاعية!
تفاصيل كثيرة يُدلي بها الغماري حول خطة العمل المتّبعة، متفاخرًا بقدرات الوزارة على استيعاب أزمة الحرب الماضية برغم ضائقة نفاد الإسمنت من السوق، وهي ضائقة مستمرة حتى اللحظة!

اضف الى ذلك ملف شكاوى المواطنين من أسعار القبور التي تصل إلى 550 شيكل في غزة، وتخفّض في باقي المحافظات إلى 450 شيكل، فيما يرى المسوولون أن المبلغ زهيد وفي متناول الجميع!
من جانب آخر يشكو الأهالي من وجود أطفال يعملون داخل تلك المقابر يسمونهم «الارزقية»، إلى جانب ضعف الاهتمام بتقليم الأشجار حول المقابر، وبتأمين النظافة للمكان. هنا الجهد الجماعي هو سيّد الموقف بنظر الاختصاصي الاجتماعي سمير قوتة، ولا يتوقف على التوعية المجتمعية، وعلى احترام كرامة المقابر، بل يمتد إلى المشاركة الفردية في إصلاح كل تلك الأمور، من خلال إقامة حملات تطوعية لتنظيف المقابر، وتقليم الأشجار حولها!
تفاصيل تمر داخل ثنايا العقل، مزوّدة بمعدّل استهلاك القبور الشهري لغزة، الذي يراوح بين 80 – 100 قبر شهريًا. أرقام وبيانات صلبة، لا تفهم شيئًا من حنين الأمهات، ولا بطء خطواتهن وهن يسرن في الشارع الطويل صوب مقابر أولادهن.