غزة | يعود العجز المالي الذي يقيّد حركة «حماس» إلى الواجهة من جديد. فهو بعدما دفعها إلى المصالحة مع «فتح» وترك إدارة دفة الحكومة، تطفو آثاره مجدداً مع إعلان وزارة الداخلية في غزة أن الوضع في سجونها «كارثي»، وخاصة أنها لم تتلقّ أيّ أموال، أو حتى تواصل، من رئيس حكومة التوافق وحامل حقيبة «الداخلية»، رامي الحمدالله، كما تقول.


«الأخبار» علمت أن «الداخلية» تسعى إلى إتمام مشروع يخفف أزمة الازدحام الكبير للموقوفين، وخاصة أصحاب الذمم المالية الذين تقدر نسبتهم بـ30% من مجموع المسجونين لديها. وأصحاب الذمم المالية هم الذين سجنوا نتيجة عجزهم عن دفع الديون المستحقة عليهم، وذلك مع اتساع رقعة الفقر في غزة واستمرار حصارها. الفكرة تقوم على سداد جزء من المبالغ المستحقة، وذلك بتمويل عربي (قطري وكويتي) يصل في مجمله إلى مليوني دولار. وقد أُُلّفت لجنة لوضع المعايير للسجناء الذين سيستفيدون من هذا المشروع منذ أكثر من عام، تشرف عليها وزارة الشؤون الاجتماعية والإدارة العامة للسجون.
يقول رئيس اللجنة الحكومية لكسر الحصار واستقبال الوفود، علاء البطة، إن المشروع سيساعد في إخراج الموقوف العاجز عن سداد الدين، بشرط ألا يتجاوز المبلغ المطلوب ألف دولار، إضافة إلى «أن يوافق الدائن على المساهمة في أن يتنازل عن جزء من الدين المستحق له». ويذكر البطة، في حديثه إلى «الأخبار» أن ما وصلهم حتى اللحظة 50 ألف دولار من تمويل محلي وعبر قوافل المساعدة.
في غضون ذلك، أعلنت وزارة الداخلية أن حالة «كارثية» تخيم على خمسة سجون مركزية و21 مركز توقيف تديرها، وذلك مع ارتفاع أعداد المساجين في الأشهر الخمسة الأخيرة، أي منذ ما قبل الحرب الإسرائيلية. وترصد مراكز حقوقية ارتفاع معدلات الجريمة، ولا سيما بعد الحرب، مشيرة إلى ازدياد السرقات والشجارات. رغم ذلك، لم تقدم الوزارة أو المؤسسات الحقوقية أرقاماً دقيقة عن نسبة الجرائم.

تضطر إدارات
السجون إلى توزيع نوع واحد من الدواء على جميع المرضى

ومن أهم الأزمات التي تعانيها السجون غياب موازنة خاصة بها بعدما أوكلت الوزارة إلى حكومة التوافق، ما أدى إلى نقص في مواد التنظيف وانتشار الأمراض بين المساجين، كالجرب والسعال والنزلة المعوية. ويقول المدير العام للعلاقات العامة والإعلام في إدارة السجون، عمر عوض، إن من الواجب على «التوافق» توفير سجون مهيّأة وفق القوانين الدولية.
على ضوء هذا الواقع، تضطر إدارة السجون إلى السماح لأهالي المساجين بإحضار الطعام لأبنائهم، وهو ما يعطي فرصة لإدخال بعض الممنوعات كالمخدرات. يضيف عوض لـ«الأخبار»: «ذات مرة أدخلت زوجة سجين مخدرات الحشيش داخل الملفوف بدلاً من الأرز، وأخرى دسّت حبوب الترامادول في نعل الحذاء الذي أرسلته»، مشيراً إلى أن ذلك يزيد مجهودهم في التفتيش، وفي ظل انقطاع التيار الكهربائي يصبح التفتيش أصعب.
ولعل المشهد الأكثر غرابة هو طهي مسؤولي السجن الطعام على الحطب بعد انقطاع الغاز، فيتسرب دخان النار إلى العنابر عند المساجين. وخلال الجولة، كان واضحاً حضور الحشرات بين الغرف والممرات، فضلاً عن أن الحمام نفسه يستخدمه أكثر من ثلاثين شخصاً في اليوم.
حال مراكز التوقيف لا تختلف عن السجون الكبيرة، إذ يجعل الاكتظاظ الموقوفين على ذمم مالية عرضة للخطر على أيدي أصحاب الأحكام والجنايات، وتضيف الوزارة أنها اضطرت إلى الخلط بينهم بسبب اكتظاظ السجون المركزية. ويقول المتحدث باسم الشرطة، أيمن البطنيجي، إن أعداد الموقوفين في النظارات تفوق 1800 موقوف، وهو ما يزيد على عدد المساجين في السجون المركزية التي داخلها نحو 1500. ويلفت، في حديث مع «الأخبار»، إلى أن بعض النظارات، مثل مركز الشجاعية الذي لا تتعدى مساحته 54 متراً مربعاً، يقبع فيه 120-130 سجيناً، وكذلك الحال بالنسبة إلى مركز الشيخ رضوان الذي يحوي 85 نزيلاً.
وفي الحروب على غزة، دمر الاحتلال مراكز أمنية وسجوناً كثيرة، علماً بأن حكومة غزة السابقة كانت تنقل المساجين الخطيرين إلى شقق خاصة، فيما تعطى البقية «إجازة منزلية» على أن يعودوا بعد انتهاء الحرب.
ويكشف أحد المفتشين في السجون، رفض عرض اسمه، أنهم يسهلون «تهريب» أدوية إلى بعض السجناء، «لأن الإدارات توزع الدواء نفسه على كل المساجين بغض النظر عن المرض، لكننا نسهل لهم إدخال بعض الأدوية من ذويهم».
أيضاً هناك طريقة أخرى لتخفيف عدد المساجين، إذ تضطر الإدارة الشرطية إلى تحويل بعض القضايا لحلها في القضاء العشائري، وتقدر التحويلات بنسبة 20% من أمام المحاكم إلى اللجنة العشائرية، لكن البطنيجي يوضح أن ذلك يعتمد على أن تكون القضية في الحق الخاص، «أما في الحق العام فلا بد للقانون أن يأخذ مجراه».