تونس | مثلما كان متوقعاً منذ حوالى عامين، غادر حمادي الجبالي الأمين العام السابق لحركة النهضة الإسلامية الحركة التي كان من أبرز قياديّيها وسجن بسبب نشاطه فيها أكثر من عشر سنوات، فضلاً عن المطاردة الأمنية التي لم تتوقف الا بعد إطاحة زين العابدين بن علي.


استقالة الجبالي تلتها مواقف لقياديين كبار في «النهضة» تؤكد التباين مع قيادة الحركة، وخاصة زعيمها راشد الغنوشي وبعض المقربين منه. فقد أعلن الحبيب اللوز والصادق شورو ومنصف بن سالم، وهم من قيادات الصف الاول ومن مؤسسي الحركة، مواقف متباينة مع موقف الحركة في ما يتعلق إعلانها الحياد في السباق الانتخابي بين حليف «النهضة» منصف المرزوقي ومنافسه رئيس «نداء تونس»، الباجي قائد السبسي. وقد أعلن عدد من قيادات الحركة، ومن القيادات الوسطى خاصة، والقواعد، انحيازهم العلني للمرزوقي، في الوقت الذي أكد فيه زعيم الحركة راشد الغنوشي أن الحركة تؤكد الحياد التام، وهو ما يعني عملياً أن الحركة فقدت تماسكها ولم تعد الكلمة الفصل فيها لزعيمها الغنوشي الذي يتولى منصب «المرشد» حسب التنظيمات الإخوانية.
العاصفة التي تعيشها الحركة كانت متوقعة منذ صعودها إلى السلطة، وقد تبيّن ذلك منذ المؤتمر العلني الأول للحركة في شهر حزيران ٢٠١٢ عندما تم تأجيل الحسم في كل القضايا الخلافية، بما فيها مناقشة التقرير المالي، إلى مؤتمر ٢٠١٤، لكن المؤتمر لم يتم، وتم الإجماع على تأجيله مرة أخرى خشية الانشقاقات والتصدع قبل الاستحقاق الانتخابي الذي خسرت الحركة الموقع الأول فيه. فالخلاف حول الموقف من المرزوقي ليس إلا فصلاً من فصول الخلافات المكتومة في الحركة. فـ«النهضة» عاشت أزمات داخلية كبيرة، لكنها تمكنت سابقاً من التكتّم عليها. وقد بدأت الخلافات منذ منتصف التسعينيات حول تقييم قرار التصعيد ضد النظام السابق الذي دفعت الحركة ثمناً باهظاً له، إذ تم الزج بآلاف الشبان في السجون وتشرد المئات بين العواصم الأوروبية بسبب خيار المواجهة غير المتكافئة مع النظام.
مغادرة الجبالي والخلاف العلني بين الصادق شورو والحبيب اللوز، وكلاهما تولى رئاسة الحركة سابقاً، هما خطوة أخرى سبقها انشقاق صالح كركر قائد جناحها العسكري في الثمانينيات، وكذلك انشقاق رئيس لجنة إعداد مؤتمرها العلني الأول رياض الشعيبي الذي أسّس حزب «البناء الوطني»، وقد انشق بسبب موقف الحركة من الحوار الوطني، وخاصة من حركة «نداء تونس»، الذي اعتبره «خيانة للثورة والشهداء». كذلك انشق عنها منار إسكندراني، المستشار السابق لوزير الخارجية في حكومة «النهضة» الأولى، لكن تبقى استقالة الجبالي هي الأبرز. ورغم أنه لم يؤكد نيته تأسيس حزب، فإنه إذا ما أقدم على هذه الخطوة فسيكون معظم أنصار الحزب الجديد من قواعد «النهضة»، وبالتالي بداية تفككها.
وفي سياق متصل، يبدو أن الخلاف الأساسي داخل «النهضة»، حسب ما تسرب لـ«الأخبار»، متعلق بتقييم تجربة الإسلاميبن في الحكم وحقيقة «الثورة»؛ فراشد الغنوشي يبدو أنه فهم أن الافق يضيق أمام تجربة الإسلاميبن في الحكم منذ إطاحة الرئيس «الإخواني» محمد مرسي من الحكم في مصر، كما أن الجارة الكبرى الجزائر لا يمكن أن تصمت في حال شعرت بأي تهديد فعلي لأمنها القومي. أضف إلى ذلك أن قطر حليفة «الإخوان» حُجّم دورها في مساعدة الإخوان المسلمين، وحتى في ليبيا التي تعاني من وضع مضطرب أصبحت المواجهة على الأرض ليست في مصلحة «الإخوان». لهذه الأسباب يبدو أن الغنوشي فضّل التضحية بـ«الصقور» ومنعهم من الترشح على قائمات الحركة في البرلمان لطمأنة الشارع التونسي، كذلك فإنه لا يمانع في الالتقاء مع حركة «نداء تونس» التي اتهمها سابقاً بـ«رسكلة النظام القديم».
فهل ينجح راشد الغنوشي في إنقاذ الحركة والحفاظ على تماسكها، أم تدفع ضريبة تجربة الحكم القصيرة وفشل «الربيع العربي» الذي حملهم إلى السلطة؟