غاب الاسم كثيراً، لم يعد ينطقه أو يستعمله إلا قلةٌ قد يبدو أن الزمان قد "غفى" عنهم أو نسيهم. "فدائيون" هكذا كانت تسمية المقاومين الفلسطينين عبر الوقت، وحمل الاسم "فدائي" توصيفاً لكائنٍ "مطلق"، "خارق" يتحمّل الصعاب ويضحّي بروحه ونفسه فداء للفكرة وللحلم. هكذا كان الفدائي شخصاً بلا عيوبٌ ولا أخطاء، أضحى فحسب شخصاً من بيوت الخيال والأحلام، فهب ألوف من الشعب الفلسطيني والشباب العرب للانضمام لتلك الفكرة أكثر من مجرد المشاركة في حرب تحريرٍ لفلسطين.


كانت "حرفة" الخيال المستعملة في رسم الصورة أكبر بكثير من تلك المرتبطة "بالموت" فالقصص المروية عن هؤلاء "الفدائيين" وأساطيرهم المستمدة أيضاً من حروب العرب –ككل- مع العدو الصهيوني جعلت هناك نوعاً من تماسٍ حقيقي بين "هؤلاء" ومن سيكونون في المستقبل فدائيين. فالفدائيون المصريون –مثلاً- كانوا نوعاً من البداية المدهشة تجاه الفكرة، واستعمل الاسم بكثرةٍ لتوصيف أولئك الذين اقتحموا خط بارليف أو الذين كانوا يعملون سراً في بورسعيد، وهذا كله خارج الإطار الفلسطيني.
كان الفدائي يرتدي "حطته" المزينة بالأبيض والأسود كعرضٍ بسيط لحياةٍ قاسية ومنتظرة؛ وبنفس الوقت لإظهار الاستمرارية والارتباط بالأرض، إذ إن الفلاح الفلسطيني/العربي قلما خرج من منزله من دون غطاء رأسه "المشرقي". وفي حقيقة الأمر، وهو ما يتجاهله كثيرون، كان العربي يرتديها أيضاً للزينة وللاستعراض، فـ"عقال" المرء أي "عقله" و"زينته" والحطة يلزمها "عقال" أي أنّ الرجل لا يرتدي حطته من دون عقاله. وتظهر الصور –مثلاً- أن أغلب فدائيي المراحل الأولى من النضال كانوا يرتدون "الحطة والعقال" لا "الحطة" فحسب (صور وديع حداد وجورج حبش الأولى مثلاً) وبقي الرئيس الفلسطيني الراحل أبوعمّار يرتدي الحطة والعقال الموشوم بطريقته الخاصة (على شكل خريطة فلسطين ويضع ايحاء القدس على رأسه). واستعملت "الحطة" ضمن "اعتيادها" حينما "لُثِّمَ" الفدائي الفلسطيني أول الأمر، فالفارس (أي راكب الحصان) كان يلثّم نفسه بحطته كما يلبس راكب الدراجة النارية اليوم "قبعة الحماية"، وكان يفعل ذلك أيضاً خلال المعارك والمواجهات مع "الإنكليز" حتى لا يتعرض للملاحقة بعد ذلك ولضمان السرية. الأمر نفسه فُعِّلَ مع بداية العمل السري المقاوم، فارتدى المقاومون اللثام، واشتهرت أغانٍ فلسطينية كثيرة تتحدث عن "الملثم" و"لابس الحطة" (وإن سمّاها البعض –خطأً- "كوفية" مع العلم أن الكوفية تختلف في نواحٍ كثيرة عن "الحطة" الفلسطينية، فالكوفية تنسب إلى المدينة العراقية –الكوفة- والتي كان يذهب إليها الجميع لدراسة اللغة في مدرستها الشهيرة ويعودون مرتدين "شماغاً" من دون أية نقوش أو بنقوش تختلف عن مثليتها لدى سكان المدن "الساحلية" الفلسطينية). في الإطار عينه كان لباس الفدائي معروفاً: ثيابٌ عسكرية خضراء أو مرقطة (لم تكن الثياب العسكرية السوداء معروفةٌ آنذاك)، حزامٌ عسكريٌ عريض (مأخوذ من الدول الاشتراكية على الأغلب) وجزمةٌ سوداء لماعة (وقت الاستعراضات) ومنهكةٌ كثيراً أغلب الأوقات. لم تكن وقتها "شعارات" الأحزاب معروفةً بعد، لذلك كان العلم الفلسطيني (أو ألوانه) هو الشعار، ولطالما اختلط الأمر على الناس كثيراً حال رؤية الفدائيين الفلسطينين. لم يكن أحدٌ يميز "تنظيماً" عن آخر، وفصيلاً عن آخر: كانوا بكل بساطة، وبكل فخر: فدائيين!
أما حالياً، فلم تعد التسمية مطروقةً، لربما لأنَّ الحال غيرُ الحال، فأضحى وصف الجهادي، بديلاً عن الفدائي المضحّي الاستشهادي، مع العلم أن استعمال التوصيفين حقيقيٌ وصادق، لكن تمكن ملاحظة "نفور" بعض التنظيمات الإسلامية (المسلحة وسواها) من أية تسمية بخلاف التوصيف الإسلامي: مجاهد وليس فدائياً، ويمكن أن تتعرض مثلاً لدى التنظيمات التكفيرية للإعدام لوصفك "أخاك المجاهد" بوصفٍ مختلف كقولك فدائي أو مقاوم أو سواهما (وهو أمرٌ حصل في الرقة مثلاً قبل أشهرٍ لدى داعش).
فلسطينياً، حاولت التنظيمات الإسلامية كحركة المقاومة الإسلامية "حماس" (وحركة الجهاد الإسلامي بدرجةٍ أقل) وبشكلٍ "حرفي" أن تسم مقاتليها بتوصيف "مجاهدين" مع العلم أن الإخوان المسلمين استعملوا في لحظةٍ تاريخية ما كلمة "فدائيين" في توصيف مقاتليهم الذاهبين للمشاركة في القتال في فلسطين إبان النكبة الفلسطينية عام 1948، لكن الزمان غير الزمان. بالتأكيد ليس هناك من مشكلةٍ في توصيف "جهادي" أو "مجاهد" مقابل كلمة "فدائي"، لكن ما تجب الإشارة إليه هو تلك "القطيعة" المخيفة التي يسعى إليها البعض، حتى ليبدو كما لو أنَّه قبل مرحلة "المجاهد" لم يكن هناك "جهاد" (أو قتالٌ للصهاينة بلغةً مباشرةً محددة).
لجأ كثيرون إلى هذه الحيل اللغوية المزعجة ليطلقوا تلك الأحكام المسبقة على كل الأعمال البطولية قبل مرحلة "انطلاقتهم" هم، وتمكن مراجعة الكثير من المقالاتٍ (الموجودة على الشبكة العنكبوتية لمن يريد القراءة) تتحدث عن "فشل" جميع التحركات "الفدائية" ونجاح جميع "العمليات الجهادية"، وفي ذلك غبنٌ ليس للفدائيين فحسب، بل ولكل المناضلين من قبل هؤلاء. في الامر غباءٌ شديد أيضاً. فلا الفدائيين كانوا "فاشلين" دوماً ولا المجاهدين كانوا ناجحين أبد الدهر.
فالحرب كما يعلم الجميع "كرٌ وفر"، والعدو قويٌ متوحش. لذلك فإن سقوط الفدائيين شهداء أمرٌ متوقع وبشدة، لذلك: ما هي الحكمة في محاولة احكام القطيعة مع تاريخ طويلٍ مليء بالبطولة والتضحية والفداء؟ ما هذا العقل الالغائي؟
اليوم أشاهد فيديو عملية اقتحام قاعدة "زيكيم" البحرية الصهيونية، أراقب كيف استطاع "فدائيون" فلسطينيون من حركة "حماس" دخول تلك القاعدة والانتصار بشكلٍ "مطلق" على كل "المنظومة" العسكرية للعدو. هؤلاء هم "فدائيونا"، هؤلاء هم من تربينا على حبّهم والهتاف لأجلهم، سموهم ما تحبون ولن نختلف على التسمية أبداً، لكن ما سنناقش به بالتأكيد هو أمرٌ واحدٌ فحسب: هؤلاء هم استمراريةٌ لوجودنا، لدم كل "فدائي" سال على هذه الأرض المقدسة، لكل تضحيةٍ فدائية قدمت. ويوم تدركون ذلك تكون فلسطين أقرب من حبل الوريد... فقط يومها.